العقل للهوى وذكر الآخرة لذكر الدّنيا واضح لاغبار عليها كما قد مضى مفصّلا في شرح الخطبة الثّانية والأربعين .
( فاكذبوا الأمل ) بكثرة ذكر الموت ودوام اخطاره بالبال في الأيام واللَّيال ، وملاحظة أهوال المعاد وشدايد يوم التّناد ، فانّ ذلك يوجب ردّ الأمل وتكذيبه .
وإنّما سمّى ردّ الأمل تكذيبا له ، لأنّ النفس حال تمنّيها للمأمول تحكم حكما وهميّا بنيله وإدراكه ، فإذا رجعت إلى صرف العقل وجوّزت بحكمه إمكان نزول الأجل قبل بلوغ الأمل كان تجويزها ذلك مكذّبا لما جزم به الوهم من الأحكام ورادّا له عن ذلك .
وعلَّل تكذيبه بقوله ( فانّه غرور وصاحبه مغرور ) يعني أنّ الأمل موجب للغرور والغفلة ولا أصل له ولا حقيقة إذ ربّ شيء تأمله النّفس تنقطع دونه فهو في الحقيقة ونفس الأمر : * ( كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُه الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَه لَمْ يَجِدْه شَيْئاً ووَجَدَ الله عِنْدَه فَوَفَّاه حِسابَه والله سَرِيعُ الْحِسابِ ) * .
تذنيبان
الأول في الكذب
وقد مرّ شطر من الكلام في قبحه عقلا وشرعا مع طائفة من الأخبار الواردة فيه في شرح الكلام الثالث والثمانين ، وأردنا هنا اشباع الكلام فيه وفي تفصيل أقسامه وأحكامه .
فأقول : إنّ الكذب من قبايح الذّنوب وفواحش العيوب ويترتّب عليه من المفاسد الدّينية والدّنيويّة ما لا يحصى ، مثل كونه خرّابا للايمان ، وجلَّا بالسخط الرّحمن ، وموجبا لاهراق الدّماء وانتهاب الأموال ، وباعثا على تحليل الفرج
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 142
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٤٢