صحّة الجسد من قلَّة الحسد .
وسرّه أنّ الحسود إذا دام عليه الحزن والغمّ بتواتر الآلاء والنعم على المنعم أورث ذلك له طول السهر وتمادى الفكر وضيق العيش وضنك المعيشة وقلَّة الراحة ومضيق الباحة ، فينقطع عنه الابتهاج ويؤدّي ذلك إلى فساد المزاج .
ثمّ نهى عن العداوة والبغضاء بقوله ( ولا تباغضوا فانّها الحالقة ) أي البغضاء خصلة مشؤمة كما أنّ المحبة والألفة ميمونة ، أو أنّها موجبة لقطيعة الرّحم ، وعلى تفسير الخالقة بما تحلق الشّعر وتستأصله من موسى ونحوه كما في شرحي المعتزلي والبحراني وإن لم أجده في كتب اللَّغة فالكلام مبنيّ على الاستعارة ، يعني أنها مستأصلة للخلق أو للدّين أو كليهما كما أنّ موسى مستأصلة للشّعر .
نعم يدلّ على تفسيرهما ما رواه الغزالي في كتاب إحياء العلوم في باب ذمّ الحسد عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال : وقال : دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة لا أقول حالقة الشّعر ولكن حالقة الدّين والذي نفس محمّد بيده لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا ، ولن تؤمنوا حتّى تحابّوا ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السّلام بينكم .
ومثله في الكافي باسناده عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حديث : ألا إنّ في التباغض الحالقة لا أعنى حالقه الشّعر ولكن حالقة الدّين .
وكيف كان فيدلّ على كراهة هذه الصّفة وشؤمها وإيجابها للقطيعة ولاستيصال النفوس والدّين والايمان أنّ نوع الانسان مدنيّ بالطَّبع يحتاج في انتظام أمر معاشه ومعاده إلى الاجتماع والايتلاف والتعاون والتظافر ، وكان أقوى أسباب الاجتماع والتعاون هو المودّة والمحبّة والمؤاخاة ، ولذلك آخا رسول الله صلَّى الله عليه وآله بين الأصحاب وحثّ على الجمعة والجماعة لتصفو الألفة وتخلص المحبّة ، ونهى عن التباغض لما يستلزمه من التقاطع وعدم التعاون وتسلَّط أيادي الحاسدين عليهم وتحكم آراء المعاندين وأهوائهم فيهم ، بل ربما ينجرّ إلى حسد بعضهم بعضا وبغى بعضهم على
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 139
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٣٩