متقلَّدا سيفه فقال له ، ما يقلَّدك السّيف وليس بأوان حرب فقال لعنه اللَّه : أردت أن أنحربه جزور القرية ، فأتى الأشعث إليه عليه السّلام فأخبره وقال قد عرفت ابن ملجم وفتكه فقال ما قتلني بعد .
وروى أنّه عليه السّلام : كان يخطب مرّة ويذكر أصحابه وابن ملجم تلقاء المنبر فسمعه يقول : واللَّه لاريحنّهم منك ، فلما انصرف عليه السّلام أتوا به ملبّبا فأشرف عليهم ، وقال ما تريدون ، فخبروه بما سمعوا عنه ، فقال فما قتلني بعد خلَّوا عنه ( وإنّ علىّ من اللَّه جنّة حصينة ) استعار الجنّة لعناية اللَّه سبحانه بحفظ أسباب حياته في المدة الممكنة له في القضاء الإلهي ، والجامع أنّ الجنّة كما أنّها حافظة للانسان عن آلام السّهام ونحوها ، فكذلك بقاء أسباب الحياة وثبات مادّتها حافظان له عن سهام الموت فحسن استعارتها لها وذكر الحصينة ترشيح للاستعارة ( فإذا جاء يومي ) الذي قدّر فيه موتى ( انفرجت ) تلك الجنّة ( عنّي وأسلمتني ) للموت وكنّى بانفراجها عن انعدام بعض أسباب الحياة في حقّه ، وهو ترشيح آخر للاستعارة المذكورة ( فحينئذ لا يطيش السّهم ) كما قال في الدّيوان المنسوب إليه .
للموت فينا سهام غير خاطئة
إن فاته اليوم سهم لم يفته غدا
( ولا يبرء الكلم ) وفي معنى هذا الكلام قال عليه الصّلاة والسّلام في الدّيوان :
أىّ يومىّ من الموت أفرّ
يوم ما قدّر أو يوم قدر
يوم ما قدّر لم أخش الرّدى
وإذا قدّر لا يغنى الحذر
أقول : وفي هذا الكلام إشعار بأنّ للانسان أجلا موقوتا وأمدا ممدودا إذا أدركه يبطل حياته ، وإلى ذلك ذهب جماعة ، واستدلَّوا عليه بقوله سبحانه : * ( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ا للهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ) * : وقال أيضا : * ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) * .