فان قلت : إذا كان علَّة المنع من قتل الخوارج بعده هو عدم كونهم بالذّات طالبين للباطل ، فهذه العلَّة بعينها كانت موجودة في زمانه فلم قاتلهم وقتلهم قلت : أجاب الشّارح البحراني بأنّه نهى عن قتلهم على تقدير لزوم كل منهم نفسه واشتغالهم بها واستتارهم في بيوتهم ، وهو إنّما قتلهم من حيث إنّهم أفسدوا في الأرض وسفكوا الدّم الحرام وقتلوا جماعة من الصّالحين كعبد اللَّه بن خباب ، وشقوا بطن امرأته ودعوا النّاس إلى بدعتهم ، ومع ذلك كان يقول لأصحابه : لا تبدؤهم بالقتال حتّى يبدؤكم ، ولم يشرع في قتلهم حتّى بدؤا بقتل جماعة من أصحابه . قال : ويحتمل أن يقال : إنّه إنّما قتلهم لأنّه إمام عادل رأى الحقّ في ذلك وإنّما نهى عن قتلهم بعده لأنّه علم أنّه لا يلي هذا الأمر بعده من له بحكم الشريعة أن يقتل ويتولَّى الحدود . أقول : والتّحقيق في الجواب ما ذكره في البحار تبعا للشّارح المعتزلي حيث قال : لعلّ المراد لا تقتلوا الخوارج بعدى ما دام ملك معاوية وأضرابه كما يظهر من التّعليل ، وقد كان يسبّه عليه السّلام ويبرء منه في الجمع والأعياد ولم يكن إنكاره للحقّ عن شبهة كالخوارج ، ولم يظهر منهم من الفسوق ما ظهر منه ولم يكن مجتهدا في العبادة وحفظ قوانين الشّرع مثلهم ، فكان أولى بالجهاد ، انتهى . ويدلّ على ذلك ما رواه أبو العباس المبرّد قال : وخرج من الخوارج على معاوية بعد قتل عليّ حوثرة الأسدي وحابس الطائي خرجا في جمعهما فصارا إلى موضع أصحاب النّخيلة ومعاوية يومئذ بالكوفة وقد دخلها في عام الجماعة ، ووفد الحسن بن عليّ وخرج يزيد المدينة فوجه إليه معاوية وقد تجاوز في طريقه يسأله أن يكون المتولي لمحاربة الخوارج فكان جواب الحسن : واللَّه لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين ( 1 ) وذاك يسعني ، أفا قاتل عنك قوما أنت واللَّه أولى بالقتل منهم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 383
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٨٣
هامش
( 1 ) البياض كان في أصل الرواية والظاهر أنه سقط هنا شيء ولعلّ أصل الكلام وليس ذاك يسعني واللَّه العالم ، منه .