التّفويض إليه ، لأنّ المستفاد من الأخبار أنّ تفويض أمور الدّين إليه صلَّى اللَّه عليه وآله إنّما وقع بعد أن أدّبه اللَّه سبحانه ، والمراد بتأديبه هو اجتبائه بالهداية إلى جميع ما فيه صلاح العباد في أمر المعاش والمعاد ، واكرامه بالعصمة المانعة من الخطاء والزّلل ، واكمال عقله وإقداره على معرفة جهات الأفعال من المصالح والمفاسد الواقعة فيها فيكون محصّل المراد بتلك الأخبار أنّ اللَّه أكمل عقل نبيّه وعلَّمه جميع المصالح والمفاسد الواقعيّة ، فحسن علمه وكماله ، ثمّ فوّض إليه أمر دينه أي أذن له في مراجعة عقله في معرفة الأحكام ، فعرف في شيء جهة حسن ملزم فحكم في نفسه بوجوبه ، وفي شيء آخر جهة قبح ملزم فحكم في نفسه بحرمته ، وهكذا ثمّ لحقه الإجازة من اللَّه سبحانه ، فحاله عند التّحقيق كحال المجتهد إذا رجع الأدلَّة فحكم بحكم ثمّ عرض على المعصوم فأقرّه عليه وأجاز له ذلك وبعبارة أخرى أنّ اللَّه لمّا أكمل نبيّه بالعقل والعلم والعصمة والهداية ، والنّبيّ لمّا عرف الجهات الواقعيّة للأفعال ، فعيّن في نفسه الشّريف لكلّ فعل حكما من الأحكام على حسب ملاحظة الجهات ومراعاة اقتضاء المقتضيات الواقعيّة فلحقه الإجازة منه سبحانه بما عيّنه في نفسه ، ثمّ كلف النّاس به بعد لحوق الإجازة فيكون وحيا ويندرج في أحكام اللَّه سبحانه ، ثمّ في الكتاب المشتمل عليها وعلى غيرها ، وكيف كان فلا ينطق بما اختاره في نفسه إلَّا بعد الإجازة ونزول وحى يدلّ على تقريره عليه .
ومن هنا ذهب بعض أصحابنا الأصوليّين إلى أنّ المراد بقولهم كلَّما حكم به العقل حكم به الشّرع : هو العقل الكلّ العالم بالجهات المحسّنة والمقبحة العارف بالمصالح والمفاسد الواقعيّة ، ويوضح ما حقّقناه ما ورد في أمر تحويل القبلة من أنّ النبيّ كان متعبّدا باستقبال بيت المقدّس ، فلما عيرت به اليهود وقالوا له : إنك تابع لقبلتنا كره استقبال قبلتهم وأحبّ التحويل إلى الكعبة فأنزل اللَّه سبحانه : * ( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ ) *
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 370
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٠