تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
أنوار الرّسالة . ومنه ينقدح إشكال آخر ، وهو أنّ المستفاد من كثير من الأخبار والآيات أنّ في القرآن تبيان كلّ شيء وأنّه لا رطب ولا يابس إلَّا في كتاب مبين ، وأنّ جميع الأحكام ممّا نزل به الرّوح الأمين من عند ربّ العالمين ، وذلك ينافي التفويض إلى النّبيّ أيضا بالتقريب الذي ذكرناه آنفا ، وقد قال سبحانه : « وما ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحى يوحى ، وإن اتّبع إلَّا ما يوحى الىّ وما أنا إلَّا نذير مبين » ومن المعلوم أنّه كثيرا ما كان ينتظر الوحي ولا يجيب من تلقاء نفسه ، فلو كان الأمر مفوّضا إليه لما احتاج إلى ذلك ويمكن الجواب عن الاشكال الأوّل بحمل الأحكام المفوّضة إليهم على الأحكام الظاهريّة كالواردة في مقام التّقية وربّما يشعر به الرّواية الأخيرة إلَّا أنّ المستفاد من ذيلها كالرّواية المتقدّمة عليها هو كون التّفويض إلى الأئمة على حدّ التّفويض إلى النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وأنّ ما فوّض إلى رسول اللَّه فوّض إلى الأئمة ، وقد ظهر من رواية الفضيل أنّ التّفويض إليه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إنّما هو في الأحكام الواقعيّة فالأولى الجواب بأنّ المراد بالتّفويض إليهم هو التّفويض في تشريع الأحكام واختراعها . لا يقال : إنّ تشريع الأحكام كان مختصّا بالنّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله إذ لم يبق بعده حكم حتّى يكون مفوّض التشريع إلى الأئمة لأنّا نقول : إنّ غاية ما يستفاد من الأخبار هو أنّ إكمال الدّين وإنزال جميع الأحكام كان في زمن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وأمّا تبليغه لها كلَّها إلى الأمة فلا بل لم يبلَّغ صلوات اللَّه عليه إلَّا قليلا من الاحكام ، وإنّما أودعها كلَّها عند الأئمة وسلَّمها إليهم وهم عليهم السّلام بلَّغوا منها إلى الامّة ما كانت محتاجة إليه ، وبقى مخزونا عندهم ما لم يكن لها إليه حاجة وبمثل هذا الجواب أيضا يمكن الذّبّ عن الاشكال الثّاني إلَّا أنّ التّحقيق في الجواب عنه أن يقال : إنّ كون جميع الأحكام ممّا أوحى بها إلى النبيّ لا ينافي