فلم تطلبوها ، وعرفتم النّار فلم تهربوا منها ، وعرفتم الشّيطان فلم تحاربوه ووافقتموه ، وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له ، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم ، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب النّاس والحاصل أنّ الدّعاء كساير العبادات لها شروط لحصولها وموانع عن قبولها فلمّا لم يتحقّق الشّرايط ولم ترتفع الموانع لم يترتّب عليها آثارها الدّنيويّة والاخرويّة مثلا الصّلاة إذ ورد فيها من صلَّى دخل الجنّة أو زيد في رزقه ، فإذا صلَّى بغير وضوء أو فعل ما يبطلها ويحبطها لم يترتّب عليها آثارها الدّنيويّة والاخرويّة ، وإذا قال الطبيب : السّقمونيا مسهل فإذا شرب الانسان معه ما يبطل تأثيره كالأفيون فهو لا ينافي قول الطبيب ولا ينافي حكمه في ذلك فكذا الدّعاء استجابتها وقبولها وترتيب الأثر عليها مشروطة بشرايط ، فإذا أخلّ لشيء منها لم تترتّب عليها الاستجابة ، وقد وردت أخبار كثير في شرايط الدّعاء ومنافاته ، وربّما يشير إليه قوله تعالى : أوفوا بعهدي أوف بعهدكم قال الشّارح البحراني : سبب إجابة الدّعاء هو توافى الأسباب ، وهو أن يتوافى دعاء رجل مثلا فيما يدعو فيه وساير أسباب وجود ذلك الشّيء معا عن الباري تعالى لحكمة الهيّة على ما قدر وقضى ، ثمّ الدّعاء واجب وتوقّع الإجابة واجب ، فانّ انبعاثنا للدّعاء سببه من هناك ، ويصير دعانا سببا للإجابة وموافاة الدّعاء الحدوث الأمر المدعوّ لأجله وقد يكون أحدهما بواسطة الاخر ، وإذا لم يستجب الدّعاء لداع وإن كان يرى أنّ الغاية التي يدعو لأجلها نافعة فالسّبب في عدم الإجابة أنّ الغاية النّافعة ربّما لا تكون نافعة بحسب نظام الكلّ بل بحسب مراده فلذلك تتأخّر إجابة الدّعاء أو لا يستجاب له ، وبالجملة قد يكون عدم الإجابة لفوات شرط من شروط ذلك المطلوب حال الدّعاء واعلم أنّ النّفس الزّكيّة عند الدّعاء قد يفيض عليها من الأوّل قوّة تصير بها مؤثّرة في العناصر فتطاوعها متصرّفة على ارادتها فيكون ذلك إجابة للدّعاء ، فانّ العناصر موضوعة لفعل النّفس فيها واعتبار ذلك في أبداننا فانّا ربّما تخيلنا شيئا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 260
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٠