قلت : قد أجاب الطبرسي في مجمع البيان بأنّه ليس أحد يدعو اللَّه على ما يوجبه الحكمة إلَّا أجابه اللَّه ، فانّ الدّاعي إذا دعاه يجب أن يسأل ما فيه صلاح له في دينه ولا يكون له مفسدة فيه فانّه سبحانه يجيب إذا اقتضت المصلحة إجابته أو يؤخّر الإجابة إن كانت المصلحة في التأخير ، ثمّ قال : وإذا قيل إنّ ما يقتضيه الحكمة لا بدّ أن يفعله فما معنى الدّعاء واجابته أجاب بأنّ الدّعاء عبادة في نفسها لما فيه من إظهار الخضوع والانقياد ، وأيضا لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنّما صار مصلحة بعد الدّعاء أقول : أمّا ما ذكره من أنّه ليس أحد يدعو اللَّه اه ، فهو حقّ لا ريب فيه وبه صرّح في عدّة الدّاعي حيث قال : ليس أحد يدعو اللَّه سبحانه وتعالى على ما يوجبه الحكمة ممّا فيه صلاحه إلَّا أجابه وعلى الدّاعي أن يشرط ذلك بلسانه أو يكون منويّا في قلبه ، فاللَّه يجيبه البتّة إن اقتضت المصلحة إجابتها ، أو يؤخّر له إن اقتضت المصلحة التأخير قال اللَّه تعالى : * ( وَلَوْ يُعَجِّلُ ا للهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) * وفي دعائهم : يا من لا تغيّر حكمته الوسايل ، ولما كان علم الغيب منطويا عن العبد وربّما تعارض عقله القوى الشّهويّة ويخالطه الخيالات النّفسانيّة فيتوهّم أمرا ممّا فيه فساده صلاحا له فيطلبه من اللَّه سبحانه ويلحّ في السّؤال عليه ، ولو يعجّل اللَّه إجابته ويفعله به لهلك البتّة ، وهذا أمر ظاهر العيان غنيّ عن البيان كثير الوقوع ، فكم نطلب أمرا ثمّ نستعيذ منه وكم نستعيذ من أمر ثمّ نطلبه ، وعلى هذا خرج قول عليّ عليه السّلام : ربّ أمر حرص الانسان عليه فلمّا أدركه ودّ أن لم يكن أدركه وكفاك قوله تعالى : * ( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَا للهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * فانّ اللَّه سبحانه وتعالى من وفور كرمه وجزيل نعمه لا يجيبه ، وذلك إمّا لسابق رحمته
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 258
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٨