فقد ظهر من هذا الحديث احتياج كلّ أحد إلى الدّعاء معافا ومبتلا ، وفايدته رفع البلاء الحاصل ودفع السّوء النّازل أو جلب نفع مقصود أو تقرير خير موجود فان قلت : المطلوب بالدّعاء إمّا أن يكون معلوم الوقوع للَّه سبحانه ، أو معلوما عدم وقوعه ، فعلى الأوّل يكون واجبا وعلى الثاني ممتنعا ، وعلى التّقديرين فلا يكون للدّعاء فايدة ، لأنّ الأقدار سابقة ، والأقضية واقعة وقد جفّ القلم بما هو كائن ، فالدّعاء لا يزيد ولا ينقص فيها شيئا قلنا : هذه شبهة ربّما سبقت إلى الأذهان القاصرة وفسادها ظاهر ، لأنّ كلّ كاين فاسد موقوف في كونه وفساده على شرايط توجد وأسباب تعدّ لأحدهما لا يمكن يدونها ، وعلى ذلك فلعلّ الدّعاء من شرايط ما يطلب به وهما ، وان كانا معلومي الوقوع للَّه سبحانه وهو تعالى علَّتهما الأولى إلَّا أنّه هو الذي ربط أحدهما بالآخر ، فجعل سبب وجود ذلك الشيء الدّعاء كما جعل سبب صحّة المرض شرب الدّواء وما لم يشرب الدّواء لم يصحّ ، وبذلك أيضا ظهر فساد ما قيل إنّ المطلوب بالدّعاء إن كان من مصالح العباد فالجواد المطلق لا يبخل به ، وإن لم يكن من مصالحهم لم يجز طلبه ، وجه ظهور الفساد أنّه لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله مصلحة بعد الدّعاء ولا يكون مصلحة قبل الدّعاء وأما النقل فمن الكتاب قوله سبحانه : * ( قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ ) * وقوله : * ( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ) * .
فجعل الدّعاء عبادة والمستكبر عنها كافرا وقوله : * ( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) * .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 256
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٦