فإذا أردت أن تعرف هذا المعنى على التفصيل فاعلم أنك جوهر مركب من نفس وبدن وروح وجسد ، أمّا نفسك فلا شكّ أنّها كانت جاهلة في مبدء الفطر كما قال تعالى : * ( وَا للهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * ثمّ تامّل في مراتب القوى الحسّاسة والمحرّكة والمدركة والعاقلة وتأمّل في مراتب المعقولات وفي جهاتها واعلم أنّه لا نهاية لها البتّة ولو أنّ العاقل أخذ في اكتساب العلم بالمعقولات وسرى فيها سيران البرق الخاطف والرّيح العاصف ، وبقى في ذلك السّير أبد الآبدين ودهر الداهرين لكان الحاصل له من المعارف والعلوم قدرا متناهيا ، ولكانت المعلومات التي ما عرفها ولم يصل إليها أصلا غير متناهية والمتناهي في جنب غير المتناهى قليل في كثير فعند هذا يظهر له أنّ الذي قاله اللَّه تعالى في قوله : * ( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) * حقّ وصدق .
وأمّا بدنك فانّه جوهر مركب من الأخلاط الأربعة ، فتأمّل كيفيّة تركيبها وتشريحها وتأمّل ما في كلّ واحد من الأعضاء والأجزاء من المنافع العالية والآثار الشّريفة ، وحينئذ يظهر لك صدق قوله سبحانه وتعالى : * ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ ا للهِ لا تُحْصُوها ) * وحينئذ ينجلي لك أثر من آثار كمال رحمته في خلقك وهدايتك ، فتفهم شيئا قليلا من رحمته الكاملة ونعمته السّابغة الشّاملة .
الفصل الثاني
متضمّن للتّنفير عن الدّنيا والتّنبيه على بعض عيوباتها وهو قوله ( والدّنيا دار منى لها الفناء و ) قدّر ( لأهلها منها الجلاء ) كما قال سبحانه :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 247
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٤٧