تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
كذلك في الدّنيا فقط وهو مثل النّفس ، فانّه لو انقطع منك لحظة واحدة لحصل الموت ، وإمّا أن يكون كذلك في الآخرة وهو معرفة اللَّه تعالى فانّها إن زالت عن القلب لحظة واحدة حصل الموت للقلب واستوجب العذاب الأبد وأمّا القسم الثّاني وهو الذي يكون نافعا ولا يكون ضروريّا فهو كالمال في الدّنيا وكساير العلوم والمعارف في الآخرة وأمّا القسم الثّالث وهو الذي يكون ضروريّا ولا يكون نافعا فكالمضّار التي لا بدّ منها في الدّنيا ، كالأمراض والموت والفقر والهرم ولا نظير لهذا القسم في الآخرة ، فانّ ضروريّات الآخرة لا يلزمها شيء من المضّار وأمّا القسم الرّابع وهو الذي لا يكون ضروريّا ولا نافعا فهو كالفقر في الدّنيا والعذاب في الآخرة إذا عرفت ذلك فنقول : قد ذكرنا أنّ النّفس في الدّنيا نافع وضروريّ ، فلو انقطع عن الانسان لحظة لمات في الحال ، وكذلك معرفة اللَّه تعالى أمر لا بدّ منه في الآخرة فلو زالت عن القلب لحظة لمات القلب لا محالة ، لكنّ الموت الأوّل أسهل من الثّاني لأنّه لم يتألم في الموت الأوّل إلَّا ساعة واحدة ، وأمّا الموت الثّاني فانّه يبقى ألمه أبد الآباد . وكما أنّ التنفّس له أثر ان : أحدهما إدخال النّسيم الطيب على القلب وابقاء اعتداله وسلامته ، والثاني إخراج الهواء الفاسد الحارّ المحترق عن القلب ، كذلك الفكر له أثر ان : أحدهما ايصال نسيم الحجّة والبرهان إلى القلب وابقاء اعتدال الايمان والمعرفة عليه ، والثّاني إخراج الهواء الفاسد المتولد من الشّبهات عن القلب ، وما ذاك إلَّا بان يعرف أنّ هذه المحسوسات متناهية في المقدار منتهية بالأخرة إلى الفناء بعد وجودها ، فمن وقف على هذه الأحوال بقي آمنا من الآفات واصلا إلى الخيرات والمسرّات وكمال هذين الأمرين ينكشف بعقلك بأن تعرف أن كلّ ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمة اللَّه وذرّة من أنوار إحسانه فعند هذا ينفتح على قلبك معرفة كون اللَّه رحمانا رحيما .