ولهم فيها ما تشتهى أنفسهم ولهم ما يدّعون نزلا من غفور رحيم .
وأما أبناء الدّنيا فانّ نفوسهم لما كانت مستغرقة في محبّتها وناسية لطرف الآخرة ومعرضة عنها ، لا جرم كانت يوم القيامة مغمورة في محبّة الباطل ، مغلولة بسلاسل الهيئات البدنية والملكات الرّديّة ، فهي لتعلَّقها بمحبة الدّنيا حيث لا يتمكَّن من محبوبها بمنزلة ولد لا تعلَّق له إلَّا بوالده ولا ألف له إلَّا هو ولا انس إلَّا معه ، ثمّ حيل بينه وبينه مع شدّة تعلَّقه به وشوقه إليه ، واخذ إلى ضيق الأسجان وبدل بالعزّ الهوان فهو في أشدّ وله وهمّ وأعظم حسرة وغمّ .
وأمّا أبناء الآخرة ففي حضانة أبيهم ونعيمه قد زال عنهم بؤس الغربة وشقاء اليتم وسوء الحضن فمن الواجب إذا تعرف أحوال الوالدين واتباع اثرهما وادومهما شفقة وأعظمهما بركة ، وما هي الَّا الآخرة وليكن ذو العقل من أبناء الآخرة وليكن برا بوالده متوصلا إليه بأقوى الأسباب وأمتنها ( وانّ اليوم عمل ولا حساب ) أراد باليوم مدّة الحياة يعنى أنّ هذا اليوم يوم عمل ، لأنّ التكليف إنّما هو في هذا اليوم والعمل به والامتثال له إنّما يكون فيه ( وغدا حساب ولا عمل ) أراد بالغد ما بعد الموت وهو وقت الحساب ولا عمل فيه لانقطاع زمان التكليف فعلى هذا فاللَّازم للعاقل أن يبادر إلى العمل الذي به يكون من أبناء الآخرة في وقت امكانه قبل مجيء الغد الذي هو وقت الحساب دون العمل ، واللَّه ولىّ التوفيق .
تبصرة
اعلم أنّ طول الأمل من أعظم الموبقات حسبما مرّت إليه الإشارة ، وكفى في ذلك قوله سبحانه : * ( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ، ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) * فنبّه سبحانه على أنّ ايثار التّنعّم والتّلذّذ الذي هو من شئونات اتّباع الهوى وما
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 203
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٣