من يوم إلى يوم ، ومن شهر إلى شهر ومن عام إلى عام وقال إلى أن اكتهل ويزول سنّ الشباب ، فإذا اكتهل قال إلى أن أصير شيخا ، فإذا شاخ قال إلى أن اتمّ هذه الدّار وازوّج ولدي فلانا وإلى أن أعود من هذا السّفر وهكذا يسوّف التوبة كلَّما فرغ من شغل عرض له شغل آخر بل اشغال حتّى يختطفه الموت وهو غافل عنه غير مستعدّله مستغرق القلب في أمور الدّنيا ، فتطول في الآخرة حسرته وتكثر ندامته وذلك هو الخسران المبين .
ثمّ إنّه بعد الإشارة إلى كون اتّباع الهوى صادّا عن الحقّ وطول الأمل منسيا للآخرة أردف ذلك بالتنبيه على سرعة زوال الدّنيا وفنائها كي يتنبّه الغافل عن نوم الغفلة ويعرف عدم قابليتها لأن يطال الأمل فيها أو يتّبع الهوى فقال ( ألا وإنّ الدّنيا قد ولَّت حذّاء ) أي أدبرت سريعة لكونها مفارقة لكلّ شخص ( فلم يبق منها ) بالنّسبة إليه ( إلَّا صبابة كصبابة الانآء اصطبّها صابّها ) اطلاق الصبابة استعارة لبقيّتها القليلة ، والقلَّة هي الجامع بين المستعار منه والمستعار له ( ألا وإنّ الآخرة قد أقبلت ) إشارة إلى سرعة لحوق الآخرة ، إذا إدبار العمر مستلزم لاقبال الموت الذي هو آخر أيام الدّنيا وأوّل أيّام الآخرة .
والاتيان بانّ المؤكدة وحرف التّنبيه وقد التّحقيقية ، من أجل تنزيل العالم منزلة الجاهل فكان المخاطبين لغفلتهم عن اقبالها حيث لم يتزّودوا لها ولم يتّخذوا لها ذخيرة جاهلون له وقوله عليه السّلام ( ولكلّ منهما بنون ) شبّه الدّنيا والآخرة بالأب أو الامّ وأهلها بالأبناء والأولاد إشارة إلى فرط ميل أهل الدّنيا إلى دنياهم وأهل الآخرة إلى آخرتهم فهم من فرط المحبة إليهما بمنزلة الابن إلى أبويه ، وهما من حيث تهيّة الأسباب لأهلهما بمنزلة الأبوين الصّارفين نظرهما إلى تربية الأولاد .
ثمّ لما كان غرضه عليه السّلام حثّ الخلق على السّعى للآخرة ، والميل إليها والاعراض عن الدّنيا قال ( فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا ) وعلَّله بقوله ( فانّ كلّ ولد سيلحق بأبيه يوم القيامة ) قال الشّارح البحراني : وأشار بذلك إلى أنّ أبناء الآخرة والطالبين لها والعاملين لأجلها مقرّبون في الآخرة لاحقون لمراداتهم فيها ،
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 202
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٢