جميع الأحكام مستندا إليه سبحانه بملاحظة أنّه سبحانه جاعلها وشارعها كما قال : * ( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ) * .
ولأجل مطابقتها لنفس الأمر صدّقهم بقوله ( نعم لا حكم إلَّا للَّه ) وأما أنّهم أرادوا بها الباطل فلأنّ مقصودهم بذلك إنّما كان إبطال جعل الحكمين وإنكار صحّة تفويض الأمر إليهما بزعم أنّ الأحكام كلَّها للَّه سبحانه ، وهو الحاكم لا غير ، فلا يجوز لأحد الحكم في شيء من الأشياء إلَّا بنصّ به في القرآن ، فلا يصح التّحكيم وإناطة الأمر برأي الحكمين ، لعدم ورود نصّ فيه بصحّته ، وهو معنى قولهم بعد ما سمعوا صحيفة الصّلح في صفّين على ما مرّ : الحكم للَّه يا علىّ لا لك فلا نرضى بأن يحكم الرّجال في دين اللَّه ، وقولهم لابن عبّاس لما احتجّ معهم بأمره : والرّابعة أنّه حكم الرجال في دين اللَّه ولم يكن ذلك إليه .
ووجه بطلان ذلك أوّلا أنّ كون الأحكام للَّه لا يستلزم كون جميع الأحكام منصوصا به في القرآن إذربّ حكم مستنبط من السنة ومن ساير الأدلَّة الشرعية ، وهو لا يخرج بذلك عن كونه حكم اللَّه وثانيا منع عدم ورود النصّ بالتحكيم في القرآن وقد امر بالتّحكيم في شقاق بين الرّجل وامرئته فقال سبحانه : * ( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِه ِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) * وحكم الرّجال في طاير فقال : * ( وَمَنْ قَتَلَه ُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِه ِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) * فدماء المسلمين أعظم من دم طاير ، والشّقاق بينهم أشدّ من الشقاق بين الرّجل والمرأة .
وثالثا أنّ مقتضى نفيهم الحكم لغير اللَّه هو نفى الامارة للملازمة التي بينهما كما أشار إليه بقوله ( ولكن هؤلاء يقولون لا امرة ) إلَّا أنّ التّالى باطل فالمقدّم مثله بيان الملازمة أنّ الأمير لا بدّ أن يكون حاكما وناظرا إلى وجوه المصلحة فإذا لم يجر له حكم ولم ينفذ له امر ولم يمض له رأى فلا يكون له امارة البتة ( و ) أمّا بطلان التّالى فلأنّه ( لا بدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر ) وذلك لأنّ النوع
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 183
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٨٣