ابن أبي طالب عليه السّلام وحوله جماعة من أصحابه ، فقال له قائل : يا أمير المؤمنين لو استنفرت النّاس فقام وخطب وقال : اما إني قد استنفرتكم فلم تنفروا ، ودعوتكم فلم تسمعوا ، فأنتم شهود كغيّاب ، وأحياء كأموات ، وصمّ ذو وأسماع ، أتلو عليكم الحكمة وأعظكم بالموعظة الشّافية الكافية وأحثكم على جهاد أهل الجور فما أتى على آخر كلامي حتّى أراكم متفرّقين حلقا شتّى ، تناشدون الأشعار ، وتضربون الأمثال ، وتسألون عن سعر التّمر واللبن . تبّت أيديكم لقد دعوتكم إلى الحرب والاستعداد لها ، وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها ، شغلتموها بالأباطيل والأضاليل اغزوهم ( 1 ) قبل أن يغزوكم ، فو اللَّه ما غزي قوم قطَّ في عقر دارهم الَّا ذلَّوا ، وأيم اللَّه ما أظنّ أن تفعلوا حتّى يفعلوا . ثمّ وددت أنّي قد رأيتهم فلقيت اللَّه على بصيرتي ويقيني واسترحت من مقاساتكم وممارستكم ، فما أنتم إلَّا كابل جمّة ضلّ راعيها ، فكلَّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب ، كأني بكم واللَّه فيما أرى أن لو حمس الوغا ، واحمر الموت قد انفرجتم عن عليّ بن أبي طالب انفراج الرّأس وانفراج المرأة عن قبلها لا تمنع منها . قال الأشعث بن قيس : فهلَّا فعلت كما فعل ابن عفّان فقال عليه السّلام أو كما فعل ابن عفّان رأيتموني فعلت أنا عائذ باللَّه من شرّ ما تقول يا بن قيس ، واللَّه إنّ الَّتي فعل بن عفان لمخزاة لمن لا دين له ولا وثيقة معه ، فكيف أفعل ذلك وأنا على بيّنة من ربّى ، والحجة في يدي والحقّ معي ، واللَّه إنّ امرء أمكن عدوّه من نفسه يجزّ لحمه ويفرى جلده ويهشّم عظمه ويسفك دمه وهو يقدر على أن يمنعه لعظيم وزره ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره ، فكن أنت ذاك يا بن قيس . فأمّا أنا فو اللَّه دون أن أعطي بيده ضرب بالمشرفي تطير له فراش الهام وتطيح منه الأكفّ والمعاصم ، ويفعل اللَّه ما يشاء ، ويلك يا بن قيس انّ المؤمن يموت
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 158
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٥٨
هامش
( 1 ) اي وقلت لكم اغزوهم ، منه .