إلى سبيل ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلا بدّ أن يكون ذلك الحجّة عالما بجميع القرآن ، إذ القرآن لا يكون بنفسه حجّة من دون قيّم ، ضرورة أن القرآن ليس كتابا يقوم بعلمه عامة أهل النّظر من الفضلاء ، فضلا عن غيرهم كيف وأكثر أرباب النظر عاجزون عن مطالعة كتب الحكماء وفهمها ، ككتب أفلاطن وأرسطو فكيف يمكنهم أن يعلموا القرآن ويفهموه ، وهو كتاب الهيّ وكلام ربّانيّ نسبته إلى ساير الكتب كنسبة الرّب تعالى إلى مصنّفي تلك الكتب ، وهو مشتمل على رموز وبطون وأسرار ونكات ، فلا يهتدى إلى نوره إلَّا بتأييد إلهيّ وإلهام رباني وتعليم نبويّ ، ولم نجد أحدا يقال : إنّه علم القرآن كله ، وإنّه قيمه إلَّا عليّا وأولاده المعصومين سلام اللَّه عليهم أجمعين فهم قيّم القرآن وعارفوه . وفي رواية الكافي عن منصور بن حازم ، قال : قلت : لأبي عبد اللَّه عليه السّلام إلى أن قال : وقلت للنّاس : تعلمون أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كان هو الحجة من اللَّه على خلقه ، قالوا : بلى ، قلت : فحين مضى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله من كان الحجة على خلقه فقالوا : القرآن ، فنظرت فإذا هو يخاصم فيه المرجئي والقدري والزّنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرّجال بخصومته ، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلَّا بقيم ، فما قال فيه من شيء كان حقّا ، فقلت لهم : من قيم القرآن فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم ، وعمر يعلم ، وحذيفة يعلم ، قلت : كله قالوا : لا فلم أجد أحدا يقال : إنه يعرف ذلك كله إلَّا عليّا صلوات اللَّه عليه ، وإذا كان الشيء بين القوم ، فقال هذا : لا أدري ، وقال هذا : لا أدري ، وقال هذا : لا أدري وقال هذا : أنا أدري فاشهد أنّ عليا عليه السّلام كان قيّم القرآن ، وكانت طاعته مفروضة ، وكان الحجة بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، وأنّ ما قال في القرآن فهو حقّ فقال عليه السّلام ( 1 ) رحمك اللَّه . واما النّقل فقد روي عن ابن عبّاس أنّه كان ليلة من الليالي عند أمير المؤمنين عليه السّلام وهو يفسّر فاتحة الكتاب ، فرأى نفسه عنده كجرّة عند بحر عظيم ، وهو عليه السّلام قال لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 222
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٢
هامش
( 1 ) اى قال أبو عبد اللَّه « ع » لمنصور ، منه