والانصاف أنّ القول بعدم النّقص فيه ممّا يمكن إنكاره بعد ملاحظة الأدلة والأخبار التي قدّمناها ، فانّها قد بلغت حدّ التّواتر ، مضافا إلى أخبار ورود الأمة على الحوض وقولهم بعد سؤال النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله عنهم كيف خلَّفتموني في الثقلين : أمّا الأكبر فحرقناه ( فبدلناه خل ) وأمّا الأصغر فقتلناه ، وهذه الأخبار أيضا متواترة ، ومع التّنزل عن بلوغها حدّ التواتر نقول : إنّه بانضمامها إلى الأخبار الأول لا محالة تكون متواترة مفيدة للعلم بثبوت النّقصان ، إذ لو كان القرآن الموجود بأيدينا اليوم بعينه القرآن المنزل من السّماء من دون أن يكون فيه تحريف ونقصان ، فأىّ داع كان لهم على الطبخ والاحراق الذي صار من أعظم المطاعن عليهم .
فان قلت : إذا ثبت وقوع التّغيير في القرآن فكيف يجوز لنا قراءته بل اللازم قراءته على نحو ما انزل فيما اطلعنا عليه .
قلت : إنّ الأئمة عليهم السلام رخّصونا على ما هو الموجود الآن ولم يأذنوا بقراءته على نحو ما انزل .
يدلّ على ذلك ما رواه في الكافي مرسلا عن سهل بن زياد عن محمّد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السّلام قال : قلت له : جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم فقال عليه السّلام : لا ، اقرؤا كما تعلَّمتم فسيجيئكم من يعلَّمكم .
وفيه أيضا باسناده إلى سالم بن سلمة ، قال : قرء رجل على أبي عبد اللَّه عليه السّلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرئها النّاس ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : مه كفّ عن هذه القراءة واقرء كما يقرأ النّاس حتّى يقوم القائم عليه السّلام : فإذا قام قرء كتاب اللَّه على حدّه وأخرج المصحف الذي كتبه عليّ عليه السّلام .
فان قلت : سلَّمنا وجود التّحريف فيه فلم لم يصحّحه أمير المؤمنين عليه السّلام حيثما جلس على سرير الخلافة مع أنّه لم يكن منه مانع يومئذ .
قلت : إنّه عليه السّلام لم يتمكن منه لوجود التقية المانعة من حيث كونه مستلزما
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 219
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١٩