على قوله كمثل الذي استوقد نارا فالمثل المشبّه به قد ولى الكاف ، لأنّ المقدّر في حكم الملفوظ ، ومنه قوله عليه السلام في المخ صح ( 98 ) : فانّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا ، أي كمثل المسافرين السّالكين سبيلا ، لظهور أنّ المقصود تشبيه حال أهل الدّنيا وقصّتهم بحال المسافرين ، لا نفس المسافرين ، فقد حذف المشبّه به بقرينة المشبّه كما لا يخفى هذا .
وقد يلي الكاف ونحوها غير المشبّه به وذلك إذا وليها مفرد لا يتأتى التّشبيه به ، وذلك إذا كان المشبّه به مركبا كقوله عليه السلام في المخ قى ( 110 ) : لا تعدو أي الدّنيا إذا تناهت إلى أمنية أهل الرّغبة فيها والرّضا بها أن تكون كما قال اللَّه تعالى : * ( « كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ وكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً » ) * أقول : ولا يكاد ينقضي عجبي من فصاحة الإمام عليه السلام وبلاغته في هذا الكلام ، فسبحان اللَّه ما أفصحه وأبلغه حيث أورد تشبيهين للدّنيا أحدهما من كلامه وهو قوله : كما قال اللَّه ، والثاني ، من كلام اللَّه وهو قوله : كماء أنزلناه ، وكلاهما من باب التّشبيه الذي ذكرناه ، إلَّا أنّ الأوّل من قبيل ما ولى المشبه به الكاف تقديرا ، والثّاني من قبيل ما لم يقع المشبّه به بعد الكاف لا لفظا ولا تقديرا ، لظهور أن ليس المراد تشبيه حال الدّنيا بقول اللَّه تعالى على ما هو ظاهر التّشبيه الأوّل ، ولا بالماء على ما هو ظاهر التّشبيه الثّاني بل المراد أن الدّنيا لا تتجاوز إذا بلغت إلى غاية ما يريده الرّاغبون فيها والرّاضون بها عن كون حالها مثل المثل الذي مثله اللَّه تعالى لها بقوله : كماء أنزلناه ، والمراد بهذا المثل تشبيه حالها في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفنا ، بحال النّبات الحاصل من الماء ، ويكون شديد الخضرة ثم ييبس فتطيره الرّياح كأن لم يكن ، ولعلَّنا نشير إلى تفصيل ذلك في مقامه إن شاء اللَّه .
ولا يذهب عليك أن ما ذكرناه من كون التّشبيهين كليهما مثالا لما نحن فيه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 77
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٧٧