له صفة الأجسام المسودة المظلمة خيّلهما شيئين لهما إنارة وإظلام ، فشبّه النّار والفحم بهما مجتمعين ، فوجه الشّبه غير موجود في المشبّه به إلَّا تخييلا ، ومثله قول آخر :
وأرض كأخلاق الكرام قطعتها
وقد كحل اللَّيل السّماك فأبصرا
حيث تخيّل أخلاق الكرام شيئا له سعة وجعله أصلا فيها فشبّه الأرض الواسعة بها .
إذا عرفت ذلك فأقول : إن وجه الشّبه ينقسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة وينقسم التّشبيه أيضا باعتبار ذلك الاختلاف في وجه الشبه .
التقسيم الأول
أنّ وجه الشّبه إمّا غير خارج عن حقيقة الطرفين بأن يكون تمام ماهيّتهما النّوعيّة أو جنسا لهما أو فصلا ، مثل أن يقال : هذا القميص مثل ذلك في كونهما كرباسا أو ثوبا أو من الكتان ، وإمّا خارج قائم بهما ، وعلى الثّاني فامّا أن يكون صفة حقيقيّة أي هيئة متقرّرة في الذّات متمكنّه فيها ، أو اضافيّة ، والأوّل إمّا كيفيّة جسمانية مختصّة بالأجسام مدركة بالحسّ ، أو نفسانية مختصّة بذوات الأنفس مدركة بالعقل ، والأوّل إمّا محسوسة أولا أو ثانيا ، فالأول إمّا محسوسة بحسّ البصر كالحمرة في تشبيه الخدّ بالورد والضّوء في تشبيه الوجه بالنّهار والسّواد في تشبيه الصّدغ بالليل ، أو بحسّ السّمع كتشبيه الأغاني الحسنة بالأوتار وألحان بعض الطيور ، وتشبيه الصّوت المنكر بصوت الحمار ، أو بحسّ الذّوق كتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالسّكر والعسل ، والمرّة بالعلقم والحنظل ، أو بحسّ الشمّ كتشبيه بعض الرّياحين بالمسك والعنبر في الطيب ، وبعض ذوات الرّوايح المنتنة بالميتة والخنفساء في النّتن ، أو بحس اللمس كتشبيه الجسم الليّن النّاعم بالخز ، والخشن بالمسح ، والثاني وهو المحسوسة ثانيا فهي الأشكال والمقادير والحركات ، والأشكال إمّا مستقيمة أو مستديرة ، مثال التّشبيه في الاستقامة تشبيه الرّجل المعتدل القامة بالرّمح ، ومثال التّشبيه في الاستدارة تشبيه المستدير بالكرة تارة