تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
بسبب تموّجه ، فهو إذن استعارة للبخار الصّاعد من الماء وإذا كان كذلك فنقول : إن كلامه عليه السلام مطابق للفظ القرآن ، وذلك أنّ الزّبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته ، إلَّا أنّه ما دامت الكثافة غالبة عليه وهو باق على وجه الماء لم ينفصل ، فانّه يخصّ باسم الزّبد ، وما لطف وغلبت عليه الأجزاء الهوائية فانفصل خصّ باسم البخار وإذا كان الزّبد بخارا والبخار هو المراد في القرآن الكريم كان مقصده ومقصد القرآن الكريم واحدا ، فكان البخار المنفصل هو الذي تكوّنت عنه السّماوات ، والذي لم ينفصل هو الذي تكوّنت عنه الأرض . وأمّا وجه المشابهة بين الدّخان والبخار الذي صحت لأجله استعارة لفظه فهو أمر ان أحدهما حسّي وهو الصّورة المشاهدة من الدّخان والبخار حتّى لا يكاد يفرق بينهما في الحسّ البصري والثاني معنويّ وهو كون البخار اجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة ، كما أنّ الدّخان كذلك ولكن عن حرارة النار ، فانّ الدّخان أيضا أجزاء مائية انفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النّار ، فكان الاختلاف بينهما ليس إلَّا بالسّبب ، فلذلك صحّ استعارة اسم أحدهما للآخر انتهى كلامه قده . أقول : هذا التّوجيه وجيه جدا إلَّا أنّه ينافيه ما رواه الكليني في روضة الكافي باسناده عن محمّد بن عطية ، قال : جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السلام من أهل الشّام من علمائهم ، فقال : يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علىّ أن أجد أحد يفسّرها ، وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس ، فقال كلّ صنف منهم شيئا غير الذّي قال الصّنف الآخر ، فقال له أبو جعفر عليه السلام : ما ذاك قال : فانّي أسألك عن أوّل ما خلق الله من خلقه ، فانّ بعض من سألته قال : القدر ، وقال بعضهم : القلم وقال بعضهم : الرّوح ، فقال أبو جعفر عليه السلام : ما قالوا شيئا أخبرك أنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره ، وكان عزيزا ولا أحد كان قبل عزّه ، وذلك قوله : * ( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) *