والقدرة على المقدور ، الحديث . وسيأتي ، مزيد تحقيق لهذا الحديث في الفصل الآتي عند شرح قوله عليه السلام : عالما بها قبل ابتدائها فانتظر ( متوحّد ) في ملكه وملكوته وسلطانه ( إذ لا سكن ) له أي لا يمكن أن يكون له سكن ( يستأنس به ولا ) أنيس ( يستوحش لفقده ) بل توحّد بالتّحميد ، وتمجّد بالتمجيد ، وعلا عن اتّخاذ الأبناء ، وتطهر وتقدّس عن ملامسة التّساء ، عزّ وجلّ عن مجاورة الشّركاء وإنّما امتنع في حقّه السّكن والأنيس والاستيناس والاستيحاش أما إجمالا فلأنّ الانس والوحشة من توابع المزاج ولواحق الحيوان ، الذي يأخذ لنفسه من جنسه أو من غير جنسه أنيسا يستأنس بصحبته ، ويستوحش بفقدانه ، والله سبحانه منزّه عن ذلك .
وأمّا تفصيلا فلأنّه سبحانه جامع الكمالات والخيرات بلا فقد شيء عنه ، لأنّه كلّ وجود « ومنشأ خ ل » ومبدء كلّ موجود ، فلذلك علا عن اتّخاذ الأبناء ، وتقدس عن مباشرة النّساء ، وجلّ عن أخذ الشّركاء ، لأنّ الحاجة إلى الأولاد والنّساء والشّركاء وأمثالها سببها قصور الوجود ، وقلَّة الابتهاج بمجرّد الذّات ، وكثرة التوحّش عن الانفراد بالوجود المشوب بالاعدام والنّقايص ، فيجبر القصور ، ويزول التّوحش بوجود الأمثال والأشباه ، استيناسا بها ، وتخلصا عن وحشة الفراق بسببها وأمّا الذّات الإلهية الجامعة لجميع الخيرات ، والسّعادات ، والابتهاجات ، فكلّ الموجودات به مبتهجة مسرورة ، وإليه مفتقرة ، ومنه مستفيضة ، بل هو في الحقيقة انس كلّ مستوحش غريب ، وبه سرور كلّ محزون كئيب .
وبعبارة أخرى أوضح وألطف ان الاستيحاش والتّوحش الحاصل للانسان ونحوه عن التفرّد عن الأمثال والأشباه ، لنقص جوهره وقصور وجوده من الكمال ، وخلو ذاته عن الفضيلة التّامة ، واستصحابه للاعدام والظلمات ، فيستوحش من ذاته الخالية عن نور الفضيلة والكمال ، ويستأنس بغيره من الأشباه والأمثال ، وأمّا الباري سبحانه فالأشياء الصّادرة عنه ، وجوداتها رشحات لبحر وجوده ، ولمعات لشمس حقيقته ، والبحر لا يستزيد بالرشحة والنداوة ، والشّمس لا تستنير
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 349
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٤٩