لم يكن شيء من المبصرات والمسموعات في الأزل فلم يكن الله سميعا وبصيرا في الأزل ، إذ لا يعقل سماع المسموعات الحادثة وإبصار المبصرات الحادثة في الأزل وأجاب بقوله : قلنا : إنّه سميع وبصير في الأزل بمعنى أنّه كان على وجه إذا وجد المسموع والمبصر لإدراكهما عند وجودهما انتهى كلامه .
وتوضيح ما أجاب به ما حكاه الشّارح المعتزلي عن أبي هاشم وأصحابه ، حيث قال : إنّهم يطلقون عليه في الأزل أنّه سميع بصير وليس هناك مسموع ولا مبصر ، ومعنى ذلك كونه بحال يصحّ منه إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت وذلك يرجع إلى كونه حيّا لا آفة به ، ولا يطلقون عليه أنّه سامع مبصر في الأزل ، لأن السّامع هو المدرك بالفعل لا بالقوّة ، وكذلك المبصر .
وأنت بعد الخبرة بما ذكرناه ، تعرف فساد جميع ما ذكروا من السّؤال والجواب وما حكيناه عن أبي هاشم وأصحابه .
أمّا السّؤال فلأن السمع والبصر حسبما عرفت عبارة عن العلم ، والعلم بالشّيء غير متوقّف على وجوده ، وقد يتحقّق ذلك في أفراد البشر ، فكيف الباري الذي لا يخفى عليه شيء وأما الجواب ، فلأن فيه اعترافا بورود السّؤال ، وأنّه تعالى لا يدرك المسموع والمبصر قبل وجودهما ، وإشعارا بأنّ فيه جلّ شانه استعدادا لحصول العلم والادراك كما ينبّه عليه ما حكيناه عن أبي هاشم ، من أنّ القول بذلك ضروري البطلان ، حيث إن الصّفات الذّاتية الكمالية كلَّها فعليّة في حقه سبحانه ، وليست شأنية كما برهن في محلَّه .
فقد تحقق مما ذكرنا كله أنّه سبحانه مدرك للمسموعات والمبصرات في الأزل ، كادراكه لها في الأبد من غير تفاوت بينهما أصلا .
ويشهد به ما رواه في الكافي باسناده عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم ، والسّمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور ، فلمّا أحدث الأشياء ، وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، والسّمع على المسموع ، والبصر على المبصر ،
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 348
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٤٨