كما نبّه عليه الإمام عليه السلام في جواب ابن أبي العوجاء ، على ما رواه في الكافي باسناده عن عيسى بن يونس ، قال : قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد الله عليه السلام في بعض ما كان يحاوره : ذكرت الله فأحلت ( 1 ) على غائب ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، واليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ، ويرى أشخاصهم ، ويعلم أسرارهم ، فقال ابن أبي العوجاء : أهو في كلّ مكان أليس إذا كان في السّماء كيف يكون في الأرض وإذا كان في الأرض كيف يكون في السّماء فقال أبو عبد الله عليه السلام : إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان ، وخلا منه مكان ، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه ، فأمّا الله العظيم الشأن الملك الدّيان ، فلا يخلو منه مكان ، ولا يشتغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان . ورواه الصّدوق أيضا في الفقيه في باب الحج ( وغير كلّ شيء لا بمزايلة ) يعنى أنّه سبحانه مغاير لجميع الأشياء ، مغايرة ذاتية من حيث عدم النّسبة بين الرّب والمربوب ، والصّانع والمصنوع ، والحادّ والمحدود ، إذ ذاته لا تماثل به ذات شيء من الموجودات ، وصفاته لا تشابه صفات شيء من الممكنات ، ومن ذلك تحقّق أن غيريّته ليست على جهة المزايلة ، كالمتغايرين من الأجسام على وجه التعاند أو التّضادّ اللذين وجود أحدهما في محلّ أو مكان مستلزم لزوال الآخر عنه ، لأنّه سبحانه لا يضادّه شيء ولا يعانده شيء ، كيف وهو خالق الأضداد ، فلو كان معاندا لشيء أو مضادّا له ، للزم احتياجه إلى المحلّ أو المكان المنافي لوجوب الوجود فظهر ، أنّ تغايره سبحانه للأشياء وتميّزه عنها إنّما هو بنفس ذاته المقدّسة التي في غاية الكمال والتّمام ، وكون ما سواه في نهاية الافتقار والنّقصان ، ويأتي مزيد تحقيق لذلك إن شاء الله تعالى في شرح الكلام الثّامن والمأتين ( فاعل ) للأشياء وصانع لهم بنفس قدرته الكاملة وإرادته التّامّة الجامعة ( لا ) فاعل ( بمعنى الحركات والآلة ) لأنّه لا يحتاج في خلقه وفعله إلى حركة ذهنيّة أو بدنيّة كما
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 346
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٤٦
هامش
( 1 ) من الحوالة منه