فالمرتبة الأولى كالقشرة العليا من الجوز لا خير فيها ألبتّة ، إن اكلت فهو مرّ المذاق ، بعيدة عن المساغ ، ولكنّها تحفظ القشرة الصّلبة السّفلى .
والمرتبة الثّانية مثل القشرة الثّانية ، فانّها ظاهرة النّفع بيّنة الجدوى ، تصون اللَّبّ عن الفساد وتربّيه إلى وقت الحصاد ، لكنّها نازلة القدر ، زهيدة النفع بالنّظر إلى اللب .
والمرتبة الثالثة كالغطاء المحيط باللَّب المأكول بتبعية اللبّ .
والمرتبة الرّابعة كاللَّب .
والمرتبة الخامسة كالدّهن المستخرج من اللَّب الصّافي من المشوبات ، والخالص عن الكدورات الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار هذا .
ولبعض العرفاء في تفسير كلامه عليه السلام تقرير آخر لا بأس بتحريره ، قال : الدّين الانقياد والطاعة ، والمراد من أوّلية المعرفة للانقياد إمّا توقفه عليها ، أو كونه ابتداء له ، لأنّ المراد من المعرفة إمّا التصور ، وإمّا عقد القلب عليه ، وهو ما يحصل بالموعظة الحسنة ، وأمّا التّصديق الذي هو كمال المعرفة فهو إنّما يحصل بالحكمة والبرهان ولعلّ المراد من التّصديق به هو مرتبة علم اليقين ، ومن كمال التّصديق به توحيده هو مرتبة عين اليقين ، ومن كمال توحيده الاخلاص له هو مرتبة حق اليقين ، وهو الذي يحصل عند الفناء ، ومن كمال الاخلاص له نفي الصّفات عنه هو الفناء عن الفناء ، وهذه المراتب مترتّبة في الحصول للسّالك التّارك ، ويكون كلّ مرتبة لاحقة ، غاية للسّابقة عليها ، ولذا عبّر عليه السلام عن كلّ مرتبة لاحقة بالكمال بالنسبة إلى السّابقة ، وأيضا كلّ مرتبة لاحقة أخص من السّابقة عليها ، والسّابقة أعمّ منها ، ووجود العام إنّما يكون بالخاص فيكون كمالا له وقوله عليه السلام : وكمال توحيده الاخلاص له ، أي سلب النّقايص باثبات الكمالات المقابلة لها ، كسلب الجهل عنه باثبات العلم ، وسلب العجز عنه باثبات القدرة له ، وهكذا ، وإنّما كان هذا كمال التّوحيد ، لأنّه يدلّ على أنّ وحدته تعالى ليست وحدة ناقصة هي ما سوى الوحدة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 323
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٣