الحقة الحقيقة من أقسام الوحدة ، بل وحدته وحدة حقّة هي حقّ الوحدة ، ولما كان الاخلاص له مستلزما لاثبات الصّفات له ، قال عليه السلام : وكمال الاخلاص له نفي الصّفات عنه ، أي جعل الكمالات الحاصلة الثّابتة له بسلب النّقايص عنه عين ذاته الأحدية ، فيكون ذاته كلّ الكمالات على وجه أعلى وأشرف ، فهو الكلّ في وحدته ، ويحتمل أن يكون المراد من نفي الصّفات عنه ، أن وصف الواصفين له غير لايق بجنابه مسلوب عنه ، كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم
عجز الواصفون عن صفتك
اعتصام الورى بمغفرتك
تب علينا فانّنا بشر
ما عرفناك حق معرفتك
فيكون غاية غايات المعرفة العجز عنها ، لا احصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك هذا ، وقوله عليه السلام ( لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ) المراد بالشهادة هنا شهادة الحال ، وهي الدّلالة ، فان حال الصفة يشهد بحاجتها إلى الموصوف وعدم قيامها بدونه ، وحال الموصوف يشهد بالاستغناء عن الصفة في أصل الوجود والقيام بالذّات بدونها ، وافتقاره إليها في كماله الذي لا يكمل إلَّا بها ، فلا يكون أحدهما عين الآخر .
ثم إن هذه الفقرة إشارة إلى برهان نفى الصّفات العارضة التي فرضت قديمة ، كما يقوله الأشاعرة ، وذلك لأن الصفة إذا كانت عارضة كانت مغايرة للموصوف لا محالة حسبما عرفت ، وكلّ متغايرين في الوجود لا بدّ أن يكون كلّ واحد منهما متميّزا عن صاحبه بشيء ، ومشاركا له بشيء آخر ، لاشتراكهما في الوجود ، ومحال أن يكون جهة الاشتراك عين جهة الامتياز ، وإلَّا لكان الواحد بما هو واحد كثيرا ، بل الوحدة بعينها كثيرة ، هذا محال ، فاذن لا بدّ أن يكون كلّ منهما مركبا من جزء به الاشتراك ، وجزء به الامتياز ، فيلزم التّركيب في ذات الواجب ، وقد ثبت أنّه بسيط الحقيقة ، وإلى ذلك أشار عليه السلام بقوله : ( فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه ) أي من وصفه تعالى بصفة زايدة فقد قرنه بغيره في الوجود ( ومن قرنه فقد ثنّاه ) أي من قرنه بغيره فقد جعل