الكتاب العزيز ، قال سبحانه : * ( الْحَمْدُ لِلَّه فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * وفي سورة إبراهيم : * ( أَفِي الله شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * وفي الانعام : * ( قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيًّا ، فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * .
أي خالقهما ، وفي بعض التّفاسير أي مبتدئهما ومبتدعهما ، استشهادا بما عن ابن عباس قال : ما كنت أدري ما فاطر السّماوات والأرض حتّى اختصم إلى أعرابيّان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأتها انتهى .
وقيل إن فاطر من الفطر بمعنى الشّق ، كما في قوله سبحانه : * ( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ) * اي انشقّت .
أقول : ويشهد به ما في حديث الخلقة في بيان الأشباح لآدم عليه السلام : وهذه فاطمة ، وأنا فاطر السّماوات والأرض ، فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي ، وفاطم أوليائي عمّا يعرهم ويشينهم ، فشققت لها اسما من اسمي ، وسيأتي الحديث بتمامه عند شرح خلقة آدم في التّنبيه الثّاني من تنبيهات الفصل العاشر هذا ، وفي قوله عليه السلام بقدرته إشارة إلى أن خلق الأشياء بنفس القدرة التي هي عين ذاته ، لا بشيء آخر ، وأما ساير الصّناع والفواعل فليسوا كذلك ، فان صنعهم ، وفعلهم بشيء غير ذواتهم كآلة أو ملكة نفسانية ، أو مادة أو معاون ، مثلا إذا أنشأ إنسان كتابا فانّه يحتاج إلى آلة كاليد والقلم ، وإلى ملكة الكتابة ، وإلى مادة كالمداد والقرطاس وإلى معاون يتّخذ له الآلة الخارجة ويصلح مادّة الكتابة ، وأمّا صنعه سبحانه ، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك ، وإنّما هو بنفس ذاته الواجب ، ونفس قدرته الكاملة .
والقدرة في الأصل القوة وعند المتكلَّمين هي الصّفة التي يتمكن معها الحيّ من الفعل وتركه بالإرادة ، وأمّا عند الحكماء عبارة عن كون الفاعل بحيث إن شاء فعل ، وإن لم يشأ لم يفعل ، وقدرته تعالى قيل : هو كون ذاته بذاته في الأزل
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 309
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٩