في الهواء موجودا ، رجع راجعا فحكى ما في الهواء ، فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على ما ليس موجودا في الهواء من أمر التّوحيد ، فانّه إن فعل ذلك لم يتوهم إلَّا ما في الهواء موجود ، كما قلنا في أمر البصر تعالى اللَّه أن يشبهه خلقه انتهى .
توضيحه أنّ المدارك على كثرتها منحصرة في أمرين ، لأنّ العوالم على كثرتها منحصرة في عالمين أحدهما عالم الدّنيا والشّهادة ، والثاني عالم الغيب والآخرة ، فالمدرك لما في عالم الشّهادة هو إحدى الحواس الخمس ، والمدرك لما في عالم الغيب هو القلب ، والمراد بالقلب مجمع المشاعر الباطنة ، أعني الخيال والوهم والعقل .
أمّا مدركات الحواس فلا تتجاوز عن المحسوسات ، وهي منحصرة في الجسم والجسمانيات ، واللَّه سبحانه منزّه عن ذلك .
وأمّا مدركات القلوب فانّما هي منحصرة لما في الهواء ، والمراد بالهواء هو الفضاء ما بين السّماء والأرض ، ولعل المراد به هنا عالم الامكان طولا وعرضا ، وتسميته بالهواء من باب تسمية الكلّ باسم الجزء .
وأنّما قلنا إن المراد به ذلك ، لأنّ إدراك القلب غير مقصور على مدركات الحواس ، ولا مشروط بشرايط إدراك الحواس فيدرك جميع ما في الهواء بوساطة ولا بوساطة بالتّوهم ، فإذا حمل القلب على إدراك ما ليس بموجود في الهواء يعود راجعا ، فيخترع صورة من عنده ، فيحكي لما ليس بموجود في العين بما يخترع في وهمه ، وهكذا عادته في المواضع المظلمة والمخاوف ، فلا بدّ للعاقل أن لا يحمل قلبه على إدراك ما ليس بموجود ، كحمله على الموجود ، ولا يحمل على ما ليس بمحسوس لأن لا يقع في غلط الوهم ، وكذا من طلب إدراك الحق من طرق الحواس وقع في الزّيغ والضّلال ، فانّه سبحانه أجلّ وأعظم من أن يطلب وينال من سبيل الحس والخيال ، ولذلك قال الباقر عليه السلام : كلما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مصنوع مثلكم ، مردود إليكم .
فقد تلخّص ممّا ذكرنا كله أن كلّ سابح في بحار جلاله غريق ، وكلّ مدّع
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 304
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٤