ثمّ وجه الحسن في إضافة بعد الهمم ، وغوص الفطن وقد مرّ أنّه من باب إضافة الصّفة بلفظ المصدر إلى الموصوف دون أن يقول كما هو الأصل : الهمم البعيدة ، والفطن الغائصة ، أنّ المقصود لما كان هو المبالغة في عدم إصابة وصفه تعالي بالفطنة من حيث هي ذات غوص ، وبالهمّة من حيث هي ذات بعد ، كانت تلك الحيثيّة مقصودة بالقصد الأوّل ، والبلاغة تقتضي تقديم الأهمّ والمقصود الأوّل على ما ليس بأهمّ على ما هو المقرّر عند أهل البيان ، ويشهد له الأذواق السّليمة .
إذا عرفت ذلك فنقول : هاتان الفقرتان إشارتان إلى عدم إمكان إدراك ذاته ، والوصول إلى حقيقته وهو ممّا لا ريب فيه .
وبرهانه ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن هشام بن الحكم ، قال : الأشياء لا تدرك إلَّا بأمرين بالحواس والقلب ، والحواس إدراكها على ثلاثة معان : إدراك بالمداخلة ، وإدراك بالمماسة ، وإدراك بلا مداخلة ولا مماسة .
فامّا الادراك الذي بالمداخلة فالأصوات والمشام والطعوم .
وأمّا الادراك بالمماسة فمعرفة الأشكال من التّربيع والتّثليث ، ومعرفة اللين والخشن ، والحرّ والبرد .
وأمّا الادراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصر ، فانّه يدرك الأشياء بلا مماسة ولا مداخلة في حيّز غيره لا في حيّزه ، وإدراك البصر له سبيل وسبب ، فسبيله الهواء ، وسببه الضّياء ، فإذا كان السّبيل متّصلا بينه وبين المرئي والسّبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان والأشخاص ، فإذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعا فحكى ما ورائه ، كالنّاظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة ، فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعا ويحكي ما ورائه ، وكذلك النّاظر إلى الماء الصّافي يرجع راجعا فيحكي ما ورائه ، إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره ، فأمّا القلب فإنّما سلطانه على الهواء ، فهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهّمه ، فإذا حمل القلب على ما ليس
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 303
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٣