تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
قلت : يمكن الجمع بينهما بأنّ المراد بها إظهار العجز عن الحمد والثّناء اللَّايق بحضرته سبحانه كما أشرنا إليه ، والمراد بأداء الشكر فيه ، أداؤه اللَّايق بحال العبد الموجب لسقوط تكليف الشكر عنه والمحصّل لرضائه سبحانه وتعالى عنه بهذا المقدار بكرمه العميم ولطفه الجسيم . ويشير إليه ما رواه الصّادق عن أبيه عليهما السّلام قال : فقد أبي بغلة له ، فقال : لان ردّها اللَّه تعالى لأحمدنّه بمحامد يرضاها ، فما لبث أن اتي بها بسرجها ولجامها فلما استوى عليها وضمّ إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء ، فقال : الحمد للَّه ، ولم يزد ، ثمّ قال : وما تركت وما أبقيت شيئا جعلت كلّ أنواع المحامد للَّه عزّ وجلّ ، ما من حمد إلَّا هو داخل فيما قلت انتهى . قيل : وإنّما اختار عليه السلام القائلين على المادحين ، لكونه أبلغ ، من حيث إنّ القائل أعمّ من المادح ، وعدم بلوغ الأعم بمدحته مستلزم لعدم بلوغ الأخص . أقول : والأولى أن يقال : إنّ السّر في العدول عنه إليه هو أنّ الغرض من الجملة الوصفيّة الإشارة إلى عدم إمكان القيام على مدحته حسبما عرفت سابقا ، فإذا لم يمكن القيام عليه لم يوجد هناك من قام به المدح ، فلا يوجد له مادح في الحقيقة ، والتّعبير بالمادحين ينافي هذا الغرض ، كما أنّ التّعبير بالقائلين يؤكده ، لأنّ فيه إشعارا بأنّ من صدر عنه مدح فهو قول يليق بقائله وليس بمدح حقيقي يليق به تعالى كما لا يخفى ، ويأتي إن شاء اللَّه تمام التّحقيق في عدم إمكان مدحه ووصفه سبحانه في شرح الخطبة المأة والسّابعة والسّبعين ( ولا يحصي نعمائه العادّون ) إذ النّعم غير محصورة ، والفيوضات غير متناهية ، فلا يحيط بها عدّ ، ولا يضبطها حدّ . قال سبحانه : * ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) * قال البيضاوي : لا تحصروها ، ولا تطيقوا عدّ أنواعها فضلا من أفرادها ، فانّها غير متناهيّة ، ثمّ قال : وفيه دليل على أنّ المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة . أقول : أمّا إفادة المفرد المضاف للعموم في الآية فممّا لا غبار عليه ، لقيام
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 299 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي