وبالجملة فمراده انّي أورد من أجزاء كلامه ماله مزيد إبداع وبراعة في باب البلاغة ( ولا اقصد التّتالي والنّسق ) والنّظم والتّرتيب .
ثم أشار إلى بعض الخصال العجيبة لأمير المؤمنين عليه السلام التي جمع بها بين الحالتين المتضادتين فقال : ( ومن عجائبه عليه السلام التي انفرد بها ، وأمن المشاركة فيها ) أي لم يشاركه فيها أحد ، ولم تتناولها يد ( انّ كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر ) أي الوعد والوعيد والبشارة والانذار ( إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المتفكر ) وأمعن فيه النظر وبلغ غوره ( وخلع من قلبه أنّه كلام مثله ) أي قدّر أنّه ليس بكلامه ، وأغمض النظر عن أنّه كلام مثله ( ممّن عظم قدره ، ونفذ أمره ، وأحاط بالرقاب ملكه ) وهو سلطان البلاد ، وخليفة العباد ( لم يعترضه الشّك ) ولا يعتريه الرّيب ( في أنّه كلام ) مخلص معرض عن غيره تعالى بقلبه و ( من لاحظ له في غير الزّهادة ، ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع ) وانزوى ( في كسر بيت ) والتزم زاوية الخمول ( أو انقطع إلى سفح الجبل ) أي أسفله كما هو شعار الزّهاد المعرضين عن الدّنيا ( لا يسمع ) ذلك الزّاهد المنقطع ( إلَّا حسّه ) أي حسّ نفسه ( ولا يرى الَّا نفسه ) لانقطاعه عمّن سواه ( ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب ) استعارة بالكناية ، حيث شبّه الحرب باعتبار غمارها ، واختلاط المتحاربين فيها ، بالماء الجمّ المتراكم الأمواج ، فأثبت لها الانغماس ، وهو الخوض في الماء تخييلا وأردفه بقوله : ( مصلتا سيفه ) أي مجرّدا له من غمده ترشيحا ( فيقطَّ الرّقاب ) أي يقطعها عرضا ، وقد روي أنّ ضربات أمير المؤمنين عليه السلام كانت أبكارا ، إن ضرب عرضا قطَّ ، وأنّ ضرب طولا قدّ ( ويجدّل الأبطال ) والشّجعان ، اى يلقيهم على الجدالة ووجه الأرض ( ويعود به ) أي بسيفه حال كونه ( ينطف ) ويسيل ( دما ويقطر مهجا ) قال الشّارح البحراني : ان فسّرنا المهجة بالدّم ، كانت نسبة القطر إليها حقيقة ، وإن فسّرناها بالروح كانت مجازا تشبيها للرّوح بالمايعات الخارجة من الانسان كالدّم ونحوه ( وهو عليه السلام مع تلك الحال ) من القتل والاستيصال ، وعلى ذلك الشأن من الشّجاعة وإراقة الدّماء ( زاهد الزّهاد ، وبدل الأبدال ) .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 283
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٣