تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
أقول : أمّا شجاعته وبأسه ومصادمته الأقران فغنيّ عن البيان ، قال كاشف الغمة : ومراسه وثبات جاشه حيث تزلزل الاقدام ، وشدة صبره حيث تطير فراخ الهام ، وسطوته وقلوب الشّجعان واجفة ، واستقراره وأقدام الأبطال راجفة ، ونجدته عند انخلاع القلوب من الصّدور ، وبسالته ورحى الحرب تدور والدّماء تفور ، ونجوم الأسنّة تطلع وتغور ، وكشفه الكرب عن وجه رسول الله صلَّى اللَّه عليه وآله ، وقد فرّ من فرّ من أصحابه ، وبذله روحه العزيزة رجاء ما اعتدّ الله من ثوابه ، فهي أمر قد اشتهر ، وحال قد بان وظهر ، يعرفه من بقي ومن غبر ، وتضمّنته الأخبار والسّير ، فاستوى في العلم به البعيد والقريب ، واتّفق على الاقرار به البغيض والحبيب ، وصدّق به عند ذكره الأجنبيّ والنسيب ، مفرق جموع الكفار ، حاصد خضرائهم بذي الفقار ، مخرجهم من ديارهم إلى المفاوز والقفار ، مضيّف الطير والسّباع يوم الملحمة والقراع ، سيف اللَّه الماضي ، ونائبه المتقاضي ، قد شهدت بدر بمقامه ، وكانت حنين من بعض أيامه ، وسل أحدا عن فعل قناته وحسامه ، ويوم خيبر إذ فتح الله على يديه ، والخندق ، اذخّر عمرو لفمه ويديه . وهذه جمل لها تفصيل وبيان ، ومقامات رضى بها الرّحمن ، ومواطن هدّت الشّرك وزلزلته ، وحملته على حكم الصّغار وأنزلته ، ومواقف كان فيها جبرئيل يساعده ، وميكائيل يوازره ويعاضده ، والله يمدّه بعناياته ، والرّسول يتبعه بصالح دعواته . وأمّا زهده عليه السلام فقد تظاهرت الرّوايات أنّه لم يكن نوع من أنواع الزّهد والعبادة والورع ، الَّا وحظه منه وافر الأقسام ، ونصيبه منه تام ، بل زايد على التّمام وما اجتمع الأصحاب على خير إلَّا كانت له رتبة الامام ، ولا ارتقوا قبّة مجد إلَّا وله ذروة الغارب وقلة السّنام ، وهو الذي عرف الدّنيا بعينها ، وتبرّجت له فلم يحفل بزينتها لشينها وتحقق زوالها ، فعاف وصالها ، وتبين انتقالها ، فصرم حبالها واستبان قبح عواقبها ، وكدر مشاربها ، فالقى حبلها على غاربها ، وتركها لطالبها