كما أنّ القطب مدار الرّحى ، وإليه تنتهي حركتها ، ( أوّلها الخطب والأوامر ) تطلق الخطبة غالبا على الكلام المنتظم المتضمّن لمحاسن البلاغة والمتكلف فيه بحفظ الأوزان والفواصل ، والأوامر هي الاحكام والتكاليف المتعلقة بأفعال المكلفين ، المتضمّنة لما فيه صلاحهم في الدّين أو الدّنيا ، كالأمور المدنيّة وما فيه تدبير الحروب .
( وثانيها الكتب والرّسائل ) أمّا الكتب فمعلومة ، وأمّا الرّسائل فالمراد بها هنا الكتب الصّغيرة ، أو الكلام الصّادر منه عليه السلام في مقام بعث السّفراء والرّسل ، أو ما كانت جوابا لهم .
( وثالثها الحكم والمواعظ ) ربّما يفسّر الحكمة بالعلم الذي يرفع الانسان عن فعل القبيح مستعارة من حكمة اللجام ، وهي ما أحاط بحنك الدّابة يمنعها من الخروج ، وقد تفسّر بفهم المعاني ، لمنعها من الجهل ، وبه فسّر قوله تعالى : * ( ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * والموعظة هي الوصيّة بالتّقوى ، والحثّ على الطاعات ، والتّحذير عن المعاصي ، والاغترار بالدّنيا ، وزخارفها ، ونحو ذلك هذا .
ولا يخفى عليك أنّ الأقطاب الثّلاثة ربّما يتداخل بعضها بعضا ، وقد يتفرّد بعضها عن بعض ، وعقد السّيد ( ره ) على كلّ منها بابا لحسن النّظم ، وبديع الترتيب كما نبّه عليه بقوله ( فأجمعت ) اى عزمت مستمدّا ( بتوفيق الله ) وتأييده ( على الابتداء باختيار محاسن الخطب ) أي بمختار محاسنها ( ثم ) اختيار ( محاسن الكتب ثم ) اختيار ( محاسن الحكم والأدب مفردا ) أي مريدا الافراد ( لكلّ صنف من ذلك ) المختار ( بابا ) مستقلَّا ( ومفضّلا فيه ) أي في ذلك الباب ( أوراقا ) بياضا ( لتكون ) هذه الأوراق المفضلة مقدّمة ( لاستدراك ما عساه يشذّ ) ويندر ( عني عاجلا ) أي حين التأليف ( ويقع إلىّ آجلا ) أي بعد التأليف .
والمقصود بهذا الكلام كما يستفاد من آخر الكتاب أيضا أن السّيد ( ره )
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 281
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨١