وتيقن بؤسها وضررها ، فطلقها ثلاثا وهجرها . وأمّا أنّه عليه السلام بدل الأبدال فلأنّ الابدال هم الأئمة عليهم السّلام كما في بعض أخبارنا ، أو قوم من الصالحين لا تخلو الدّنيا منهم إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر ، وفي القاموس قوم يقيم الله بهم الأرض وهم سبعون : أربعون بالشّام ، وثلاثون بغيرها ، لا يموت أحدهم إلَّا قام مقامه آخر من ساير النّاس . وكونه عليه السلام قدوة الصالحين ، وكون قوام الأرض بوجوده ووجود الطَّيبين من أولاده ، غني عن البيّنة والبرهان ، لأنّه امام الأئمة ، وسيد الامّة بعد خاتم النّبوة ولو تبقى الأرض بغير إمام لساخت بأهلها ، وماجت كما تظاهرت به الرّوايات . فقد ظهرت بما ذكرنا أنّه عليه السلام جامع بين منقبتي الزّهد والشّجاعة ( وهذه ) المنقبة ( من ) مناقبه الجميلة و ( فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد ، والف بين الأشتات ) أي بين حالات متفرقات مختلفات متباعدات ( وكثيرا ما اذاكر الاخوان بها ، واستخرج عجبهم منها ) لاستحسانها ( 1 ) أو استغرابها ( وهي موضع للعبرة والفكرة فيها ) لأنّ الغالب على أهل الشجاعة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية وفتك وتمرّد وجبريّة ، والغالب على أهل الزّهد ورفض الدّنيا وهجران ملاذها ، والاشتغال بمواعظ النّاس وتخويفهم المعاد وتذكيرهم الموت أن يكونوا ذوي رقّة ولين وضعف قلب وحوز طبع ، وهاتان حالتان متضادّتان لم تجتمعا إلَّا فيه عليه السلام ، وكذلك الغالب على ذوي الشّجاعة وإراقة الدّماء أن يكونوا قليلي الصّفح ، بعيدي العفو ، لأنّ أكبادهم واغرة ، وقلوبهم ملتهبة ، والقوّة الغضبيّة عندهم شديدة ، وفعله يوم الجمل ، وصفحه وحلمه ومغالبته هوى النّفس فيها ، وفي غيرها مشهور مأثور ومن هنا قيل في مدحه سلام اللَّه عليه وآله
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 285
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٥
جمعت في صفاتك الأضداد
فلهذا عزّت لك الأنداد
زاهد حاكم حليم شجاع
فاتك ناسك فقير جواد
ظهرت منك للورى مكرمات
فأقرّت بفضلك الحسّاد
هامش
( 1 ) الاستحسان مبنى على رواية العجب بالضم ، والاستغراب مبنى على روايته بفتح العين والجيم فافهم ( منه )