تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥

وتيقن بؤسها وضررها ، فطلقها ثلاثا وهجرها . وأمّا أنّه عليه السلام بدل الأبدال فلأنّ الابدال هم الأئمة عليهم السّلام كما في بعض أخبارنا ، أو قوم من الصالحين لا تخلو الدّنيا منهم إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر ، وفي القاموس قوم يقيم الله بهم الأرض وهم سبعون : أربعون بالشّام ، وثلاثون بغيرها ، لا يموت أحدهم إلَّا قام مقامه آخر من ساير النّاس . وكونه عليه السلام قدوة الصالحين ، وكون قوام الأرض بوجوده ووجود الطَّيبين من أولاده ، غني عن البيّنة والبرهان ، لأنّه امام الأئمة ، وسيد الامّة بعد خاتم النّبوة ولو تبقى الأرض بغير إمام لساخت بأهلها ، وماجت كما تظاهرت به الرّوايات . فقد ظهرت بما ذكرنا أنّه عليه السلام جامع بين منقبتي الزّهد والشّجاعة ( وهذه ) المنقبة ( من ) مناقبه الجميلة و ( فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد ، والف بين الأشتات ) أي بين حالات متفرقات مختلفات متباعدات ( وكثيرا ما اذاكر الاخوان بها ، واستخرج عجبهم منها ) لاستحسانها ( 1 ) أو استغرابها ( وهي موضع للعبرة والفكرة فيها ) لأنّ الغالب على أهل الشجاعة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية وفتك وتمرّد وجبريّة ، والغالب على أهل الزّهد ورفض الدّنيا وهجران ملاذها ، والاشتغال بمواعظ النّاس وتخويفهم المعاد وتذكيرهم الموت أن يكونوا ذوي رقّة ولين وضعف قلب وحوز طبع ، وهاتان حالتان متضادّتان لم تجتمعا إلَّا فيه عليه السلام ، وكذلك الغالب على ذوي الشّجاعة وإراقة الدّماء أن يكونوا قليلي الصّفح ، بعيدي العفو ، لأنّ أكبادهم واغرة ، وقلوبهم ملتهبة ، والقوّة الغضبيّة عندهم شديدة ، وفعله يوم الجمل ، وصفحه وحلمه ومغالبته هوى النّفس فيها ، وفي غيرها مشهور مأثور ومن هنا قيل في مدحه سلام اللَّه عليه وآله

جمعت في صفاتك الأضداد فلهذا عزّت لك الأنداد زاهد حاكم حليم شجاع فاتك ناسك فقير جواد ظهرت منك للورى مكرمات فأقرّت بفضلك الحسّاد
هامش
( 1 ) الاستحسان مبنى على رواية العجب بالضم ، والاستغراب مبنى على روايته بفتح العين والجيم فافهم ( منه )