وأمّا الفرق بينها وبين الاستعارة فمن وجوه أحدها أنّ الاستعارة قسم من أقسام المجاز ، فلا بدّ فيها أن يكون المستعار له معنى مجازيّا للَّفظ المستعار ، والمستعار منه معنى حقيقيّا له دائما ، وأمّا التّورية فقد يكون المعنيان فيها حقيقيّين وقد يكون أحدهما حقيقة والآخر مجازا سواء كان المورّى به حقيقة والمورّى عنه مجازا أو بالعكس ، وإنّما يتصوّر العكس في المجاز المشهور ، فيورّى بالمعنى المجازي لاشتهاره ويراد الحقيقة بقرينة خفية أو بملاحظة ترجيح الوضع على ما فصّل في علم الأصول .
ثانيها أنّ علاقة التّجوز في الاستعارة لا بدّ وأن يكون هي المشابهة ، ولا يشترط ذلك في التّورية فيما كان أحد المعنيين فيها حقيقة والآخر مجازا ، بل قد تكون من ساير أنواع العلاقات .
وثالثها أن اشتهار أحد المعنيين شرط في التّورية دون الاستعارة .
إذا عرفت ذلك فأقول : لو كان لفظ له معنيان أحدهما حقيقة والآخر مجاز ، وكان كثير الاستعمال ومشهورة في الحقيقة وعلاقة التّجوز بينهما المشابهة ، فاطلق ذلك اللَّفظ وأريد به معناه المجازي فلك أن تجعله من قبيل الاستعارة ، ولك أن تجعله من باب التّورية وتسمّيه باسم أيّهما شئت ، وذلك لاجتماع شرايط النّوعين فيه ، مثاله ما قدّمناه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من قوله : فأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقوله عليه السلام : حائك بن حائك ، فانّه يجوز لك أن تقول إن السّراج استعارة للشّمس والحائك استعارة للمفتري لو لم يكن تشبيها بليغا ، ومثل ذلك قوله :
بدا وجهه من فوق أسمر قده
وقد لاح من فوق الذوائب في جنح
فقلت عجيب كيف لم يذهب الرّجا
وقد طلعت شمس النّهار على رمح
فانّه ورّى شمس النّهار عن وجه المحبوب ، والرّمح عن قامته ، ولك أن تقول إنّهما استعارة لهما .
فقد تلخص ممّا ذكرنا كله أنّ المدار في التّورية على الاشتهار ، وفي