أقول : وهنا قسم آخر ، وهو أن يكون الملائم قبل التّورية وبعدها كليهما ، كقوله عليه السلام في باب المخ من حكمه : من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة .
فانّ اليدين عبارتان عن النّعمة مع ظهورهما في الجارحة المخصوصة واقترانهما بما يلائم القريب أعني الاعطاء والقصر والطول ، واليد القصيرة هي نعمة العبد ، واليد الطويلة هي نعمة الرّب سبحانه .
الثّالث التّورية المبيّنة وهي التي تجامع شيئا ملائما للمعنى البعيد المورّى عنه إمّا قبلها كقوله عليه السلام في المخ ( 1 ) : فأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقمرا منيرا ، فإنه ورّى بالسّراج عن الشمس وقرنه بما يلائمها أعني أجرى ، لأنّ الجريان أعني الحركة إنّما يتصور فيها دون السّراج الحقيقي فتدبر . وإمّا بعدها كقوله :
أما واللَّه لولا خوف سخطك
لهان علىّ ما ألقى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبا
وليس هما سوى قلبي وقرطك
فانّ الخافقين ظاهران في المشرق والمغرب ، وأراد بهما قلبه وقرط محبوبته ، وهو المعنى البعيد المورّى عنه ، وقد بيّنه بالنصّ عليه في المصراع الأخير ، وأوضح منه قوله :
أرى ذنب السّرحان في الأفق ساطعا
فهل ممكن انّ الغزالة تطلع
أراد بذنب السّرحان ضوء الفجر وهو المعنى البعيد ، وقد بيّنه بذكر لازمه بعده وهو قوله ساطعا ، وكذا أراد بالغزالة الشّمس وهو المعنى البعيد ، وقد بيّنه بذكر لازمه بعده وهو تطلع ، والمعنى القريب في كلا الموضعين الحيوان المعروف .
تنبيه
قد ظهر لك ممّا قدمنا في رسم التّورية الفرق بينها وبين الكناية ، لأن الكناية هو ذكر الملزوم وإرادة اللازم مع جواز إرادة الملزوم ، فان معنى زيد طويل النّجاد أنّه طويل القامة ، فيشترط في الكناية التّلازم بين المعنيين ، ولا يعتبر ذلك في التّورية ، كما أنّه يعتبر الاشتهار في التّورية ولا يعتبر ذلك في الكناية .