تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّها على أقسام ثلاثة . أحدها التّورية المجرّدة وهي التي لا تجامع شيئا ممّا يلائم المورّى به والمورّى عنه ومثلوا لها بقوله تعالى : * ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) * . فانّه أريد بالاستواء معناه البعيد وهو الاستيلاء ، وورّي عنه بالقريب وهو الاستقرار مع عدم اقترانه بشيء يلائم أحد المعنيين ، وربّما أشكل فيه بانّه اقترن بما يلائم المعنى القريب وهو العرش ، لأنّه يلائم الاستقرار ، ومثل أيضا بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّما نحن حفنة ( 1 ) من حفنات ربّنا . فانّ المعنى القريب للحفنة هو ملاء الكفّ ، وأريد المعنى البعيد أي نحن على كثرتنا قليلون عند اللَّه ، أو نحن قليلون بالإضافة إلى ملكه ورحمته . ونحوه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قوله في المخ يط ( 19 ) للأشعث بن قيس : حائك بن حائك ، ومنافق ابن كافر فانّ المعنى القريب للحائك هو النّاسج للبرد ونحوه ، لكنّه ورّى به عن حائك الكذب أي المفتري ، ومن النّظم قول القاضي عياض :

كانّ كانون أهدى من ملابسه لشهر تموز أنواعا من الحلل أو الغزالة من طول المدى خرفت فما تفرّق بين الجدى والحمل
فقد أريد بالغزالة المعنى البعيد ، وورّى عنه بالقريب أعني الرّشاء مع عدم اقترانها بشيء يلائم المورّى به ، كسواد المقلة والعين وحسن الجيد وسرعة النّفور ، ولا بشيء يلائم المورّى عنه كالاشراق والطلوع والأفول . فان قيل لا نسلم كونها من التّورية المجرّدة بل هي مرشّحة لاقترانها بالجدى والحمل المناسبان للمعنى القريب الذي ليس بمراد كما صرّح به العلَّامة التّفتازاني في المطوّل .
هامش
( 1 ) الحفنة بالفتح ملاء الكفين من طعام والجمع حفنات مثل سجدة وسجدات وحفنت الفلان حفنة من باب ضرب أعطيته قليلا مجمع البحرين .