إذا عرفت ذلك فأقول : إنّها على أقسام ثلاثة . أحدها التّورية المجرّدة وهي التي لا تجامع شيئا ممّا يلائم المورّى به والمورّى عنه ومثلوا لها بقوله تعالى : * ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) * . فانّه أريد بالاستواء معناه البعيد وهو الاستيلاء ، وورّي عنه بالقريب وهو الاستقرار مع عدم اقترانه بشيء يلائم أحد المعنيين ، وربّما أشكل فيه بانّه اقترن بما يلائم المعنى القريب وهو العرش ، لأنّه يلائم الاستقرار ، ومثل أيضا بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّما نحن حفنة ( 1 ) من حفنات ربّنا . فانّ المعنى القريب للحفنة هو ملاء الكفّ ، وأريد المعنى البعيد أي نحن على كثرتنا قليلون عند اللَّه ، أو نحن قليلون بالإضافة إلى ملكه ورحمته . ونحوه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قوله في المخ يط ( 19 ) للأشعث بن قيس : حائك بن حائك ، ومنافق ابن كافر فانّ المعنى القريب للحائك هو النّاسج للبرد ونحوه ، لكنّه ورّى به عن حائك الكذب أي المفتري ، ومن النّظم قول القاضي عياض :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 162
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٦٢
كانّ كانون أهدى من ملابسه
لشهر تموز أنواعا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت
فما تفرّق بين الجدى والحمل
فقد أريد بالغزالة المعنى البعيد ، وورّى عنه بالقريب أعني الرّشاء مع عدم اقترانها بشيء يلائم المورّى به ، كسواد المقلة والعين وحسن الجيد وسرعة النّفور ، ولا بشيء يلائم المورّى عنه كالاشراق والطلوع والأفول .
فان قيل لا نسلم كونها من التّورية المجرّدة بل هي مرشّحة لاقترانها بالجدى والحمل المناسبان للمعنى القريب الذي ليس بمراد كما صرّح به العلَّامة التّفتازاني في المطوّل .
هامش
( 1 ) الحفنة بالفتح ملاء الكفين من طعام والجمع حفنات مثل سجدة وسجدات وحفنت الفلان حفنة من باب ضرب أعطيته قليلا مجمع البحرين .