قالوا : وقف واستوقف ، وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب اللفظ سهل السّبك إلا أنّه لم يتأتّ له ذلك في النصّف الثّاني ، بل أتى فيه بمعان قليلة في ألفاظ غريبة ، وأحسن من ذلك قول أبي الطيب المتنبي :
فديناك من ربع وان زدتنا كربا
فإنك كنت الشّرق للشّمس والغربا
وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا
فؤادا لعرفان الرّسوم ولالبا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة
لمن بان عنه ان نلمّ به ركبا
ثم اعلم أنّهم فرّعوا على حسن الابتداء براعة الاستهلال وهو أن يكون أوّل الكلام دالَّا على ما يناسب حال المتكلم ، متضمنا لما سيق الكلام لأجله من غير تصريح بل بألطف إشارة يدركها الذّوق السّليم والطبع المستقيم .
قال ابن المقفّع : ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك ، كما أنّ خير أبيات الشّعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته ، قال الجاحظ : كأنّه يقول : فرق بين صدر خطبة النّكاح وخطبة العيد وخطبة الصّلح حتّى يكون لكلّ فنّ من ذلك صدر يدلّ على عجزه ، فانّه لا خير في كلام لا يدلّ على معناك ، ويشير إلى مغزاك ، وإلى العمود الذي إليه قصدت ، والغرض الذي إليه نزعت .
قالوا : والعلم الأسنى في ذلك سورة الفاتحة التي هي مطلع القرآن ، فانّها مشتملة على جميع مقاصده ، وكذلك أوّل سورة اقرأ ، فانّها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من البراعة ، لكونها أوّل ما انزل من القرآن ، فانّ فيها الأمر بالقراءة والبداء فيها باسم اللَّه ، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرّب واثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل ، وفيها ما يتعلق بالأحكام ، وما يتعلق بالاخبار ، من قوله : * ( عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) * ولهذا قيل : إنّها جديرة أن تسمّى عنوان القرآن ، لأنّ عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارات وجيزة في أوّله ، فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ براعة الاستهلال في مطلع الكلام