الآخر فجأة من غير قصد إلى ارتباط وتعلَّق بما قبله ، بل قال : أمّا بعد ، أي مهما يكن من شيء بعد الحمد فانّه كان كذا وكذا قصدا إلى ربط هذا الكلام بما سبق عليه .
إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ الأقسام الثلاثة كلَّها موجودة في كلام أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة فيه كما هو غير خفي على المتتبّع الخبير والنّاقد البصير . فمن حسن التخلص قوله عليه السلام في المخ ( 1 ) : أنشأ الخلق إنشاء ، اه .
حيث إنّه عليه السلام بعد ما افتتح الكلام بحمد اللَّه وثنائه وذكر جملة من صفات الجلال والجمال تخلص منه بما ذكرنا ، وهو من صفات الفعل إلى كيفيّة ابتداء خلق المخلوقات المسوق له الكلام ، فانظر فيه من الحسن ما ذا ترى .
ومن الاقتضاب قوله عليه السلام في المخ ق ( 100 ) : ألأوّل قبل كلّ أوّل ، والآخر بعد كلّ آخر بأوّليّته وجب أن لا أوّل له ، وبآخريّته وجب أن لا آخر له ، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه شهادة يوافق فيها السرّ الإعلان ، والقلب اللَّسان ، أيّها النّاس لا يجرمنّكم شقاقي ، اه .
فانّ الانتقال من أوصاف الكمال والشّهادة بتوحيد الملك المتعال إلى قوله عليه السلام أيّها النّاس انتقال من باب الارتجال .
ومن الاقتضاب الشّبيه بالتخلص قوله عليه السلام في المخ له : ( 35 ) أمّا بعد فإنّ معصية النّاصح الشّفيق ، اه . هذا ومن حسن التخلص في النّظم قول مسلم بن الوليد :
يقول صحبي وقد جدّوا على عجل
والخيل تستنّ بالرّكبان في اللجم
ا مغرب الشّمس تنوي ان تؤمّ بنا
فقلت كلَّا ولكن مطلع الكرم
قال الصّفدي : وهذا في غاية الحسن التي تكبو الفحول دون بلوغها ، وتعجز