هو كونه دالَّا على ما بني الكلام عليه من مدح أو هجاء أو تهنية أو عتاب أو توبيخ وتقريع أو بشارة أو نعي أو غير ذلك ، فلو جمع المطلع بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال كان هو الغاية التي لا يدركها إلا مصلي هذه الجلبة والحالب من أشطر البلاغة أو فر حلبة ، وهو كثير في كلام أمير المؤمنين عليه السلام وأرشدك إلى موضع واحد وهو قوله عليه السلام في المخ له : ( 35 ) الحمد للَّه وإن أتى الدّهر بالخطب الفادح والحدث الجليل .
فان هذا المطلع ينبئك عن عظم ما يتلوه من النباء ، وفي هذا المختار أنواع من البديع يكاد أن يكون سحرا حسبما ندلك عليها ، وفيه شهادة عظيمة على عظم شأن قائله سلام اللَّه عليه ومنه في النّظم قول أبي تمام يهنّي المعتصم بفتح قلعة عمورية وكان المنجمون زعموا أنها لا تفتح في هذا الوقت :
السّيف أصدق إنباء من الكتب
في خدّه الحدّ بين الجدّ واللَّعب
بيض الصّفايح لاسود الصّحايف في
متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وثانيها التخلص
وهو الخروج والانتقال ممّا افتتح به الكلام إلى المقصود على وجه سهل برابطة ملائمة وجهة جامعة يختلس به المقصود اختلاسا رشيقا بحيث لا يتفطن السّامع للانتقال من المعنى الأوّل إلَّا وقد رسخت ألفاظ المعنى الثّاني في السّمع وقرّ معناه في القلب ، وإنّما كان ذلك من المواضع الثلاثة التي ينبغي للمتكلَّم أن يتأنق فيها ، لأنّ السّامع مترقب للانتقال إلى المقصود كيف يكون ، فإذا كان حسنا متلائم الطرفين حرّك من نشاط السّامع وأعان على إصغاء ما بعده وإلَّا فبالعكس .
وقد ينتقل من مفتتح الكلام إلى المقصود من غير ملائمة ويسمّى ذلك اقتضابا وارتجالا ، ومنه ما يشبه التخلص في أنّه يشوبه شيء من الملائمة ، كقولهم بعد الخطب : أما بعد ، فانّه اقتضاب من جهة أنّه انتقل من حمد اللَّه والثّناء على رسوله إلى كلام آخر من غير رعاية ملائمة بينهما ، لكنّه يشبه التخلص من جهة أنّه لم يؤت بالكلام