تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
الشّعراء عن الظفر بحصونها ، والتّحلي بمصوغها ويقابل ذلك قبح التخلص ، ومثاله ما حكي أن قيس بن ذريح حين طلق زوجته لبنى فتزوّجت غيره ، ثم ندم على طلاقها وكان مشغوفا بها ، فشبّب بها وما زال يشكو لوعة فراقها في أشعاره حتّى رحمه ابن أبي عتيق ، فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إلى قيس فقال يمدحه ويشكره :
جزى الرّحمن أحسن ما يجازي على الاحسان خيرا من صديق وقد جرّبت إخواني جميعا فما ألفيت كابن أبي عتيق سعى في جمع شملي بعد صدع ورأى حدت فيه عن الطريق وأطفى لوعة كانت بقلبي اغصتنى حرارتها بريق
فلما سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس يا حبيبي : أمسك عن مدحك هذا فما يسمعه أحد إلَّا ظنّني قوّادا . ومن الاقتضاب في النّظم قول البختريّ :
ويوما تثنّت للوداع وسلمت بعينين موصول بلحظيهما السّحر توهّمتها الوى باجفانها الكرى كرى النّوم أو مالت باعطافها الخمر لعمرك ما الدّنيا بناقصة الجدى إذا بقي الفتح بن خاقان والبحر
واما الانتهاء فهو ثالث المواضع التي يلزم التّأنق فيها ، وهو عبارة عن أن يكون آخر الكلام الذي يقف عليه الخطيب أو المترسّل أو الشّاعر مستعذ باحسنا ، وأحسنه ما آذن بانتهاء الكلام حتّى لا يبقى للنّفس تشوّق إلى ما ورائه ، وإنّما ينبغي التّأنق فيه ، لأنّه آخر ما يقرع السّمع ويرتسم في النّفس ، فإن كان مختارا حسنا تلقاه السّمع واستلذّه حتّى جبر ما وقع فيما سبق من التقصير لو كان ، كالطعام اللذيذ الذي يتناول بعد الأطعمة التّفهة ، وإن كان بخلاف ذلك كان على العكس ، حتّى ربّما أنسى المحاسن الموردة فيما سبق ، وجميع خواتم السّور كفواتحها واردة على أحسن الوجوه من البلاغة ، وأكملها ، فإنك إذا نظرت إليها وجدتها في غاية الحسن ونهاية الكمال ، لكونها بين أدعيّة ووصايا ومواعظ وتحميد ووعد