لك العبور بسفينة المعرفة إلى ساحل بحر محسنات كلامه إذا خضت في غمار عمانه ، وغصت على لئاليه وجمانه ، وأذكر لكلّ قسم منها مثالا نثرا ونظما من كلام الفصحاء والبلغاء البارعين ، مشفوعا بمثال من كلام أمير المؤمنين عليه السلام .
فأقول : إن البديع علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال ووضوح الدلالة ، وأقسام الوجوه المحسنة كثيرة ، بعضها معنوية راجعة إلى تحسين المعنى بالأصالة وإن كان فيها ما لا يخلو من تحسين اللفظ ، وبعضها لفظية كذلك .
فمنها حسن الابتداء والتخلص والانتهاء
قال أهل البيان ومشايخ البلاغة : ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيما يورده من كلامه في ثلاثة مواضع :
أحدها الابتداء
فاللَّازم له أن يفتح كلامه بأعذب الألفاظ وأجز لها وأرقّها وأسلسها وأحسنها نظما وسبكا وأصحّها مبنى وأوضحها معنى وأخلاها من الحشو والركاكة والتعقيد والتّقديم والتّأخير الملبس ، وذلك لأنّ مفتتح الكلام أوّل ما يقرع السّمع ويصافح الذّهن فإن كان حسنا جامعا لما ذكرناه من الشروط أقبل السّامع على الكلام ، فوعى جميعه ، وإلَّا مجّه السمع وزجة القلب وإن كان الباقي في غاية الحسن ، قالوا : وقد أتت جميع فواتح سور القرآن على أحسن الوجوه من البلاغة وأكملها كالتحميدات وحروف الهجاء والنّداء مثل : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) * و * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) * فان مثل هذا الابتداء يوقظ السّامع للاصغاء إليه .
أقول : وأنت خبير بأنّ مطلع خطب أمير المؤمنين عليه السلام ومفتتحها تالي كلام الربّ تعالى في هذا المعنى ، فإنك إذا نظرت إلى فواتح خطبه وكلامه عليه السلام جملها ومفرداتها رأيت من البلاغة والتفنّن وأنواع الإشارة ما يقصر عن بيانه وصف الواصفين ، ونعت الناعتين هذا ومن حسن الابتداء في النّظم قول امرء القيس :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
لسقط اللوى بين الدّخول فحومل