انّ المروّة والسّماحة والنّدى
في قبّة ضربت على ابن الحشرج
أراد إثبات اختصاص الممدوح بهذه فترك التّصريح بأن يقول إنّه مختص بها أو نحوه إلى الكناية ، بأن جعلها في قبّة ضربت عليه ، ونحوه قولهم : المجدبين ثوبيه والكرم بين برديه ، ومثاله في جانب النّفى قول من يصف الخمر :
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
لو مسّها حجر مسّته سرّآء
حيث كنّى عن نفى الحزن عنها بنفيه عن ساحتها وفضاها ، وقول الآخر يصف امرأة بالعفّة :
تبيت بمنجاة من اللَّوم بيتها
إذا ما بيوت بالملامة حلَّت
فتوصل إلى نفى اللوم عنها بنفيها عن بيتها ، وينبغي أن يعلم أنّ المراد بالملازمة في باب الكناية ليس استحالة الانفكاك أي الملازمة العقلية ، وإنّما التعلق والارتباط في الجملة ، وإلَّا لانتقض بكثير ممّا جعلوه منها .
ثم الكناية إن لم يكن الانتقال ، منها إلى المطلوب بواسطة ، فقريبة كقولك كناية عن طول القامة : طويل النّجاد ، وإن كان بواسطة فبعيدة كقولهم كناية عن المضياف : كثير الرّماد ، فانّه ينتقل من كثرة الرّماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدر ، ومنها إلى كثرة الطبايخ ، ومنها إلى كثرة الأكلة ، ومنها إلى كثرة الضّيفان ، ومنها إلى المقصود وهو المضياف ، وبحسب قلَّة الوسايط وكثرتها تختلف الدلالة على المقصود وضوحا وخفاء ، والموصوف فيها قد يكون مذكورا كما مر ، وقد يكون محذوفا كما يقال في التّعريض بمن يؤذي المسلمين : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده .
فانّه كناية عن نفى صفة الاسلام عن الموذي ، وهو غير مذكور في الكلام .
قال بعض الأفاضل : ولا يعدل من التّصريح إلى الكناية إلَّا بسبب ، ولها أسباب : أحدها قصد المدح كأكثر الأمثلة المتقدّمة .
الثّاني قصد الذّمّ كقولهم كناية عن الأبله : عريض القفا ، فانّ عرض القفا