فقد استعار العلم وهو الجبل ونحوه يستدل به على الطريق ويهتدى به إليه للدين باعتبار الاهتداء به إلى حظاير القدس ، وقرنه بما يلائم المستعار له حيث وصفه بالمأثور أي المنقول قرنا بعد قرن ، أو المختار المقدّم على ساير الأديان ، وقد يجتمع التجريد والترشيح ، كقول زهير :
لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف
له لبد أظفاره لم تقلم
فقوله : شاكي السّلاح تجريد لأنّه ملائم للمستعار له أعني الرّجل الشجاع ، وقوله : مقذّف إلى آخر البيت ترشيح لأنه ملائم للمستعار منه أعني الأسد الحقيقي هذا .
والترشيح أبلغ من الاطلاق والتجريد ومن جمع التجريد والترشيح ، لاشتماله على تحقيق المبالغة في التّشبيه لأنّ في الاستعارة مبالغة في التشبيه ، فترشيحها وتزيينها بما يلائم المستعار منه تحقيق لذلك وتقوية له ، ومبنى الاستعارة على تناسي التشبيه وادّعاء أن المستعار له عين المستعار منه لا شيء مشبه به حتى أنّه يبنى على علوّ القدر ما يبنى على علوّ المكان ، كقول أبي تمام :
ويصعد حتّى يظن الجهول
بأنّ له حاجة في السّماء
فانّه استعار الصّعود لعلوّ القدر ، ثم بنى عليه ما يبنى على علوّ المكان والارتقاء إلى السّماء من ظن الجهول أنّ له حاجة في السّماء ، فلو لا أن قصده أن يتناسى التشبيه ويصرّ على إنكاره فجعله صاعدا في السّماء من حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام وجه ، ومن هذا الباب قوله :
قامت تظلَّلنى ومن عجب
شمس تظلَّلني من الشّمس
فلو لا أنّه أنسى نفسه أنّ هاهنا استعارة لما كان لهذا التعجب معنى .
التقسيم السابع
الجامع في الاستعارة إن كان أمرا واحدا كما في قولك رأيت أسدا فهي استعارة في المفرد ، وإن كان منتزعا من أمور متعدّدة يتقيد بعضها ببعض فهي