هو انّه كما انّ العاقل لا يعتمد على الفىء فكذلك لا يعتمد على الدّنيا .
ثمّ انّ في قوله ( ع ) : هذا إشارة إلى نكتة علميّة ودقيقة فلسفيّة وهى انّ الفلاسفة ولا سيّما العرفاء منهم اتّفقوا على انّ الدّنيا بل مطلق ما سوى اللَّه ليس لها وجود أصيل وانّما وجودها وجود خيالىّ وهمّى لانّها ليست الَّا متعلَّقات صرفة ومتدلَّيات محضة كما هو شأن الوجود الامكاني فما هو الموجود حقيقة واصالة بالوجود الحقيقي النّفس الامرى هو وجود الواجب الَّذى حيثيّته ذاته طرد العدم لا غير كما قال اللَّه تعالى * ( أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَه ُ ساكِناً ) * الآية . ( الفرقان 45 ) فعلى ما ذهبوا اليه المراد بالظَّل الممدود في الآية انّما هو وجود المنبسط الَّذى أشرق بأمره تعالى على هياكل الموجودات فصاروا احياء به وانّما اطلق عليه الظَّل لكونه ظلَّا للوجود الواجبي وتبعا له وموجودا به وقد كثر تشبيه الدّنيا بالظَّل والفىء في اشعارهم ومحاوراتهم كما قال الشّاعر :
رأيت خيال الظَّل أعظم عبرة
لمن كان في علم الحقائق راقى
شخوصا واصوانا يخالف بعضها
لبعض واشكالا بغير وقاق
تجىء وتمضى باية بعد بابه
وتفنى جميعا والمحرّك باق
وقال الآخر :
انّما الدّنيا كظلّ زائل
أو كضيف بات فيها وارتحل
وقال أيضا :
انّما الرّزق الَّذى تطلبه
يشبه الظَّل الَّذى يمشى معك