ثمّ مررت عليه بعد حين وهو خراب وبه عجوز فسألتها عمّا كانت رأت وسمعت فقالت يا عبد اللَّه انّ اللَّه يغيّر ولا يتغيّر والموت غالب كلّ مخلوق قدّر اللَّه دخل بها الحزن وذهب باهلها الزّمان كما قال أبو العتاهية .
لئن كنت في الدّنيا بصيرا فانّما
بلاغك منها مثل ذاد المسافر
إذا أبقت الدّنيا على المرء دينه
فما فاته منها فليس بضائر
وأمثال ذلك من القضايا في انقلاب الدّهر كثيرة الَّا انّ البحث في انّ الخلاص من همومها وغمومها باىّ شيء هو فقال ( ع ) فيه :
المقام الثّانى - في الخلاص عنها
وقد أفاد ( ع ) انّه لا يمكن لأحد السّلامة من شرورها الَّا فيها ، وذلك لانّ المقدّرات لا يمكن تغييرها ، وتبديلها فانّها لا محالة واقعة شاء المكلَّف أو لم يشاء فسلامة الدّين والدّنيا انّما تحصل بالتّسليم والانقياد في قبالها والصّبر على مكروهاتها والشّكر على نعمائها وكلّ ذلك لا تكون الَّا في هذه الدّنيا إذ الدّنيا دار التّكليف والآخرة دار الجزاء فمن لم يصبر عليها فيها كيف يسلم عن تبعاتها وعواقبها .
وبعبارة أخرى : سلامة الدّنيا والخلاص من شرورها وآفاتها انّما هي في الزّهد فيها والرّغبة إلى الآخرة ومعنى الزّهد فيها عدم الاعتناء بها فإذا كان الانسان غير معتن بها من حيث اقبالها وادبارها فلا محالة يكون سالما من جهة الدّين والدّنيا كما انّه كلَّما كان اعتنائه وعلاقته بها أكثر فهمّه وغمّه فيها أكثر فيخرج عن الدّنيا محزونا مغموما وليس له في الآخرة أيضا من نصيب وقد ذكرنا الآيات والرّوايات الواردة في مدح الزّهد فيها .