من صفات الماء اوّلا وبالذّات ومن صفات غيره ثانيا وبالعرض وعليه فالمعنى كلّ ما توهّمته صفوا فهو في الحقيقة كدر وذلك كما انّ الماء ربّما يتخيّل انّه غير كدر مع انّه في الواقع ليس كذلك .
ويمكن حمل العبارة على معنى آخر ادقّ واتقن ممّا ذكرناه وهو انّ كلّ ما كان من نعم الدّنيا بحسب أصل الخلقة أو في القرون الماضية متصّفا بالصّفاء فهو صار الآن كدر الاصفاء فيه واقعا فلم يبق في العالم شيء ينبغي ان يعتنى به الَّا وهو صار ملعبة الجهّال والأرجاس ويؤيد هذا المعنى تعبيره ( ع ) عنها بصيغة الماضي الدّال على المدّعى فقوله ( ع ) وكدر منها اى من الدّنيا بلفظ الماضي معناه كدر في سالف الزّمان ما كان صفوا فيه ولا يبعد ان يكون هذا إشارة إلى الخلافة حيث انّها كانت من أعلى المناصب بعد النّبى ( ص ) وبهذا الاعتبار كانت صفوا ثمّ انّها غصبت وصارت ملعبة بأيدي الجهّال فغيّروها عن حقيقتها فصارت كدرة كما قال الشّاعر :
إذا وقع الذّباب على طعام
رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وانّما قلنا الخلافة كانت كذا لكونها من اظهر المصاديق والَّا كلّ المناصب والمآكل والمراكب والمساكن وأمثالها كذلك كما نرى في زماننا هذا الا ترى انّ الرّجال والعلماء الَّذين لهم تجربه وعلم اعتزلوا عن الاجتماع والمناصب واعرضوا يعدونّه العوام سببا ووسيلة للتّفاخر لانّ العقلاء توجّهوا وتفطَّنوا انّ هذه الأمور صارت موهونة كدرة وليس لها صفاء وجلاء على ما كانت عليه فالتّصدى لها والتّلبس بها يجعلهم اى العقلاء في رديف الأشرار والأراذل المتلبّسين