تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧

وثالثها - انّ الدّنيا لو قلنا بانّها عبارة عن أعيان موجودة إلى آخر ما ذكروه في التّعريف ففنائها قطعىّ لانّ الأعيان الموجودة لكونها مادّية فلا محيص لها عن الفناء كما هو شأن الموجود المادّى على ما هو ثابت في محلَّه فالدّنيا فانية وامّا الادلَّة النّقلية - من الآيات والاخبار وكلمات الحكماء والأدباء في الدّنيا وفنائها فكثيرة جدّا وقد ذكرنا شطرا منها في الأبحاث السّابقة وسيأتي الكلام فيها بوجه ابسط في مستقبل القول انشاء اللَّه تعالى . وانّما قال ( ع ) ( منى الفناء ) لانّ المنى التّقدير قال اللَّه تعالى في كتابه ، * ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ) * ( 1 ) * ( مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ) * ( 2 ) اى تقدّر بالعزّة الإلهيّة ما لم يكن منه ، ومنه المنيّة وهو الأجل المقدّر للحيوان ، وجمعه منايا كما قال الشّاعر :

وإذ المنيّة انشبت أظفارها
وقال آخر :
وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة لعلّ منايانا تحوّلن ابؤسا وقال آخر لعمري ان كانت أصابت مصيبة اخى والمنايا للرّجال شعوب
واطلاق المنيّة على الموت من هذا القبيل وذلك لانّ الموت حلول الأجل المقدّر في الوقت المعيّن وعلى اىّ تقدير ففي كلامه إشارة إلى انّ الفناء للدّنيا انّما هو بحسب التّقدير الإلهى لا انّه من لوازم ذاتها والسّر فيه هو انّ الأصل في الموجود البقاء والفناء امر عارض عليه وقد ثبت انّ كلّ عرضى معلَّل فكون الدّنيا لأجل انّ العلَّة قدّرها كذلك لا انّها بنفسها تقتضى الفناء
هامش
( 1 ) القيامة 37 .
( 2 ) النّجم - 46 .