منهما قوى وآثار متخالفة متباينة متضادّة لا محالة يقول سبحان من جمع بين الأضداد فاوّل النّعمة في العالم هو نعمة الحياة الَّتى بها تتحقّق الآثار وفى الانسان بعدها نعمة النّطق والبيان كما قال اللَّه تعالى : * ( الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنْسانَ ، عَلَّمَه ُ الْبَيانَ ) * وهكذا سائر النّعم من السّمع والبصر والذّوق والشّم واللَّمس ، وكذلك الحواس الباطنة من العقل والوهم والخيال والحسّ - المشترك وغيرها وفى البدن من الرّجل واليد والرّأس والأنف والعين وأمثال ذلك ممّا لا يمكن احصائه فإذا توجّه بها يقول بلسان حاله أو مقاله الهى انا عاجز عن احصاء نعمك فلا أقدر على الشّكر بها لانّ الشّكر على النّعمة فرع الإحاطة بها فيظهر له صدق قوله تعالى : * ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ أللهِ لا تُحْصُوها ) * ومن جهة عدم علمه بما أودعه اللَّه سبحانه فيه فضلا عمّا أودعه في غيره من - الموجودات يظهر له سرّ قوله تعالى : حيث قال * ( ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ ) * ومن جهة انّه كان جاهلا بكلّ الأشياء حين خروجه من بطن امّه ثمّ صار عالما يظهر له قوله تعالى : * ( وا للهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصارَ والأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * هذا في الانسان نفسه وامّا سائر الموجودات فالامر أوضح وعلى كلّ حال المقصود انّ النّعم الالهيّة لا خفاء فيها واقعا وانّما خفائها في ظهورها وظهورها في خفائها وهذا من اللَّطائف .
وقد روى انّ داود ( ع ) قال الهى كيف أشكرك وشكرى لك نعمة من عندك فأوحى اللَّه تعالى اليه الآن قد شكرتنى وفى هذا يقال الشّكر على الشّكر اتمّ الشّكر ولنعم ما قيل فيه :
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 464
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٤٦٤