والحاصل انّ الدّوام في النّعمة قد ثبت كاملا فما نقله عن الفخر الرّازى من تقسيمه الأشياء على أربعة أقسام إلى آخر ما ذكره وسمّاه برهانا على دوام الرّحمة وكمال النّعمة فهو وان كان حقّا في حدّ نفسه الَّا انّه خارج عن مورد البحث فعلا .
وثانيها - انّ كلمة ( برح ) كما جاءت بمعنى زال كذلك جاءت بمعنى ظهر يقال فعل كذا براحا اى طرحا لا يستره شيء ، وبرح الخفاء ظهر قاله الرّاغب في المفردات ، ولا شكّ انّ هذا المعنى أوفق بسياق العبارة ممّا ذكروه وذلك لانّ دوام النّعمة غير ظهورها إذ ربّما تكون النّعمة دائمة وهى مع دوامه غير ظاهرة على ضعفاء العقول لكثرة ظهورها كما سيأتي وربّما يكون الأمر بالعكس فدوام النّعمة لا يستلزم ظهورها كما انّ ظهورها لا يستلزم دوامها وبينهما من النّسب الأربع العموم والخصوص من وجه إذا عرفت هذا فنقول : لمّا بيّن ( ع ) في الجملات السّابقة دوام نعمته ورحمته وكانت هناك - مظنّة سؤال وهو انّ هذه النّعمة الَّتى قلتم انّها دائمة لا نراها فأين هذه الرّحمة والنّعمة فقال ( ع ) دفعا لهذا السّؤال وجوابا له ، الَّذى لا تبرح منه رحمته ولا تفقد له رحمته فوصف اللَّه ثانيا بانّ نعمته ورحمته لا تخفى على أحد لو تدبّر فيها حقّ التّدبر وانّما خفائها في ظهورها كما انّ ذاته أيضا كذلك .
يا من هو اختفى لفرط نوره
الظَّاهر الباطن في ظهوره
فمن تفكَّر بل توجّه إلى شخصه فقط وانّه مركَّب من الرّوح والجسد - أحدهما مجرّد والآخر مادّى وانّ الفرق بينهما من الثّرى إلى الثّريا ولكلّ واحد