تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠

* ( الأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ والآصالِ ) * ( 1 ) فهذه هي عبادة التّسخير اعني الدّلالة الصّامتة النّاطقة المنبّهة على كونها مخلوقة وانّها خلق فاعل حكيم فانّ المخلوق لا محالة يتذلَّل ويتخشّع لخالقه وصانعه علم به أم لا يعلم فانّ العبادة بالمعنى الَّذى ذكرناه مركوزة مستودعة في طبيعته وجبلَّته إذ خضوع المخلوق وتذلَّله لدى الخالق قهرىّ لا محيص عنه في صورة التّوجه وعدمها فانّ الالتفات وعدمه لا يغيّران الواقع عمّا هو عليه . وامّا العبادة بالاختيار فهي لذوي النّطق لا غيرهم وهى المأمور بها في قوله تعالى * ( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) * ، و * ( اعْبُدُوا أللهَ ) * وأمثال ذلك وانّما خصّصنا العبادة - الاختياريّة بهم لانّ الفعل الاختياري لا بدّ من يكون مسبوقا بالمبادئ الأربعة وهو في حقّ غيرهم محال لعدم امكان صدور الفعل المسبوق بها من غيرهم كما ثبت في محلَّه . إذا عرفت هذه المقدّمة فقد علمت انّ المخلوقات في عالم الوجود على اقسامها وأصنافها وأنواعها لا تخلوا حالهم من هاتين الجهتين اعني النّاطق وغير النّاطق لاستحالة ارتفاع النّقيضين فالعبادة في الموجود النّاطق اختياريّة لكونها مسبوقة بالمبادئ الأربعة وفى غيره بالتّسخير لكونها فيه غير مسبوقة بها وعلى كلا التّقديرين لا يوجد في العالم مخلوق الَّا وهو متّصف بالعبادة سواء كانت بالاختيار أو بالتّسخير فهم غير مستنكفين عن عبادته على كلّ حال وإذا كانوا كذلك فاللَّه تبارك وتعالى غير مستنكف بها بصيغة المفعول .

هامش
( 1 ) الرّعد - 15 .